أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية

      

السلام في الأرض                                                                                Pacem in terris

 

الواجبـات

 

التلازم بين الحقوق والواجبات في الشخص الواحد

14- لقد ذكّرنا حتى الآن بسلسلة من الحقوق الطبيعية. وهي حقوق يلازمها في الإنسان موضوعها سلسلة مماثلة من الواجبات. والشريعة الطبيعية تمنح تلك وتفرض هذه. وكلها تستمد من هذه الشريعة الطبيعية نفسها أصلها ودوامها وقوتها التي لا تقهر.

فهكذا، مثلاً، يلازم الحق في الحياة واجب الحفاظ عليها؛ والحق في عيش لائق يلازمه واجب السلوك في كرامة؛ والحق في السعي الحر إلى الحقيقة يلازمه واجب توسيع هذا السعي وتعميقه.

 

تبادل الحقوق والواجبات بين الأشخاص المختلفين

15- في الحياة الاجتماعية، كل حق تمنحه الطبيعة شخصاً يخلق في السوي واجباً هو الاعتراف بهذا الحق واحترامه. لأن أي حق أساسي في الإنسان يستمد قوته الإلزامية من الناموس الطبيعي الذي يمنحه ويفرض الواجب الذي يلازمه. وإن الذين ينسون، في مطالبتهم بحقوقهم، واجباتهم، أو يتهاونون في القيام بها، إنما يتعرضون لأن يهدموا بيد ما يبنونه بالأخرى.

 

في التعاون

16- بحكم طبيعتهم الاجتماعية يتحتم على الناس أن يعيشوا بعضهم مع بعض وأن يعملوا لخير بعضهم بعضاً. وبالتالي فالإنسجام في مجتمع يستلزم الاعتراف والقيام بالحقوق والواجبات. وعلاوة على ذلك فكل واحد مدعو لأن يسهم في سخاء في تشييد نظام اجتماعي يؤمّن في ازدياد مطرد الحقوق والواجبات.

فلا يكفي أن يُعترف بحق الإنسان في وسائل العيش وأن يُحترم هذا الحق، بل يجب أن يُعمل، وكل بنسبة قواه، على تأمين هذه الوسائل بكفاية.

إن الحياة الاجتماعية لا يكفيها أن تؤمن النظام فحسب، بل يجب أن تأتي الأعضاء بفوائد. مما يقتضي الاعتراف بالحقوق والواجبات واحترامها، ولكنه يقتضي أيضاً إسهام الجميع بحسب الأشكال المتعددة التي جعلها التطور العصري ممكنة ومشتهاة وضرورية.

 

مع وعي المسؤوليات

17- إن كرامة الشخصية الإنسانية تقتضي أن يعمل كل واحد وفقاً لقرار واع وحر. وفي الحياة الاجتماعية ينتظر خصوصاً من القرارات الشخصية احترام الحقوق والقيام بالواجبات والإسهام في شتى الأعمال. ولابد للفرد من أن يدفعه اقتناعه الشخصي ومبادرته الخاصة ووعيه مسؤولياته وليس تأثير الارغام والضغط يأتيه من الخارج.

إن مجتمعاً يرتكز على علاقات القوة فحسب ليس بالمجتمع البشري: فهو يقلص حتماً حرية الناس، بدل أن يكون لها العون والحافز لتتطور وتتكامل.

 

العيش المشترك في الحقيقة والعدل والمحبة والحرية

18- لذلك، فلا ينتظم مجتمع ولا تحترم فيه الشخصية الإنسانية، ولا يكون مصدر خير، ما لم يرتكز على الحقيقة، حسب قول الرسول: "فانبذوا، إذن، الكذب، وكلّموا كل واحد قريبه بالحق، إذ أنا أعضاء بعضنا لبعض". وهذا يفرض أن الحقوق والواجبات المتبادلة يُعترف بها في إخلاص. وهذا المجتمع ينبغي أيضاً أن يتأسس على العدل، أي على الاحترام الفعلي لهذه الحقوق وعلى القيام المخلص بهذه الواجبات. كما أنه يجب أن يحيا بالمحبة، أي بهذه العاطفة التي تجعل كل واحد يحس حاجات القريب وكأنها حاجاته هو، ويشركه بخيراته، وتدفع إلى تبادل يتزايد مع الزمن في ميدان القيم الروحية. هذا المجتمع أخيراً يجب أن يتحقق في الحرية، أي بالطريقة التي تليق بكائنات عاقلة خلقت لتتحمل مسؤوليات أعمالها.

19- إن الحياة الاجتماعية، أيها الإخوة المحترمون والأبناء الأعزاء، يجب أن ينظر إليها أولاً من حيث هي واقع روحي. لأنها تبادل معرفة في ضوء الحقيقة، وتمرس بحق وقيام بواجب، وتنافس في السعي إلى الخير الأدبي، واشتراك في التنعم النبيل بالجمال في كل مظاهره المشروعة، واستعداد دائم لأن نشرك السوى بأحسن ما فينا، ونزعة مشتركة إلى اغتناء روحي ثابت. تلك هي القيم التي يجب أن تحيي وتوجه كل شيء: في الحياة الثقافية والاقتصادية والتنظيم الاجتماعي، والحركات والأنظمة السياسية والتشريع وأي مظهر آخر من مظاهر الحياة الاجتماعية في تطورها الدائم.

 

الله، الأساس الموضوعي للنظام الأدبي

20- إن النظام الخاص بالجماعات البشرية هو من عنصر أدبي. لأنه نظام يتأسس على الحقيقة ويتحقق بالعدل ويقتضي أن تحييه المحبة ويجد في الحرية توازناً لا يفتأ يتجدد ويزداد إنسانية.

هذا النظام الأدبي، الشامل والمطلق وغير المتحوّل من حيث مبادئه له أساس الموضوعي في الإله الحقيقي المتعالي والشخصي، الحقيقة الأولى والخير الأسمى والمعين الأكثر غزارة للحيوية في مجتمع منتظم خصيب يتلاءم وكرامة البشر الأعضاء فيه (20). والقديس توما الأكويني يعبر في صراحة عن هذه الحقيقة: "إن إرادة الإنسان لها قاعدتها ومقياس درجة الصلاح فيها في عقل الإنسان. وهذا يستمد سلطته من الناموس الأبدي الذي ليس هو سوى العقل الإلهي. وبالتالي، والأمر جلّي، فالصلاح في الإرادة البشرية يتعلق أكثر بكثير بالناموس الأبدي منه بالعقل البشري" (21).

 

علامات الأزمنة

21- ثلاث ميزات تعطي عصرنا طابعه الخاص. الميزة الأولى، رقي الطبقات الكادحة اقتصادياً واجتماعياً. فلقد وجهت هذه الطبقات جهودها أولاً صوب المطالبة بحقوقها، لاسيما الاقتصادية والاجتماعية منها. ثم اتسعت هذه الجهود وشملت الميدان السياسي، وتناولت أخيراً حقها في الحصول، وفقاً لأوضاع خاصة بها، على ما يصيبها من الثروة الثقافية. واليوم، نرى لدى العمال في جميع البلدان حساسية عميقة حيال مطلب فحواه أن ينظر إليهم ويعاملوا ليس ككائنات لا حق لها ولا حرية، تستخدم وفقاً لهوى أسيادها، بل كأشخاص بشريين، وذلك في قطاعات الحياة الاجتماعية كلها: القطاع الاقتصادي الاجتماعي والثقافي والسياسي.

22- والميزة  الثانية التي تفرض وجودها على كل مطّلع: دخول المرأة الحياة العامة، دخولاً ربما أسرعت إليه الشعوب ذات الحضارة المسيحية، أكثر من تلك التي لها تقاليد وحضارات أخرى، غير أنه يبقى في هذه الأخيرة في نمو مطّرد. وإذ تزايد يوماً بعد يوم وعي المرأة كرامتها الإنسانية، لم تعد تقبل أن تعتبر آلة. إنها لتقضي أن تعتبر شخصاً إنسانياً سواء أكان في البيت أم في الحياة العامة.

23- أخيراً، وبالنسبة إلى ماض قريب، نرى البشرية على نظام اجتماعي وسياسي يختلف اختلافاً عميقاً عما كان عليه. أي أنه لم يعد هناك شعوب سائدة وشعوب مسودة: فالشعوب كلها أسست، أو تؤسس اليوم، جماعات سياسية مستقلة.

24- فالناس في جميع البلدان والقارات هم اليوم مواطنو دول تنعم بالحكم الذاتي والاستقلال، أو هم في طريقهم إلى هذا الحكم الذاتي والاستقلال. وليس من يريد لذاته أن يكون خاضعاً لسلطات سياسية غريبة عن جماعته أو كتلته العنصرية. وإنا لنشهد لدى الكثيرين اضمحلال مركب الدونيّة الذي ساد طوال مئات وآلاف السنين، بينما أخذ يتقلص لدى الآخرين بل هو في طريقه إلى الزوال، مركب التفوق المنبثق من امتيازات اقتصادية واجتماعية أو من الجنس أو من المركز السياسي.

فقد انتشرت الآن على وسيع مدى فكرة المساواة الطبيعية بين البشر جميعاً. ولذا فلم يعد هناك، أقلّه نظرياً، أي مبرر للتمييز العنصري. وهذا ما يشكل خطوة هامة في السبيل المؤدية إلى مجتمع إنساني يتوطد على المبادئ التي ذكّرنا بها. والآن بقدر ما يعي الإنسان حقوقه، بقدر ذلك ينشأ فيه، وكأنه ضرورة، وعي الالتزامات التي تلازم هذه الحقوق: إن حقوقه الشخصية هي أولاً تعابير عن كرامته التي يطالب بها، وعلى الغير الاعتراف بهذه الحقوق واحترامها.

25- وإذ يعبّر عن نواميس الحياة المشتركة بكلمات حقوق وواجبات، ينفتح الناس على القيم الروحية ويفقهون معنى الحقيقة والعدل والمحبة والحرية، ويعرفون أنهم إنما ينتمون إلى مجتمع من مستوى هذه القيم، بل إن هذا يحملهم على أن يعرفوا أكثر الإله الحقيقي المتعالي والشخصي. وإذ ذاك فعلائقهم بالله تبدو لهم وكأنها مرتكز الحياة، الحياة التي يعيشها الإنسان في صميم ذاته وتلك التي يعيشها جماعياً مع سواه.

 

الحواشي:
20) راجع الرسالة الإذاعية في عيد الميلاد لبيوس الثاني عشر، 1942.
21) الخلاصة اللاهوتية لتوما الأكويني، أولاً- ثانياً، المسألة 19، أ. 4؛ راجع أ. 9.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي