أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

أم ومُعـلّمة                                                                                   mater et magistra

 

الاتجاه الاشتراكي المعاصر (Socialisation)

 

منشأ هذه الظاهرة واتساعها

45- الاتجاه الاشتراكي ميزة من ميزات عصرنا، فهو تكاثر مطرد للعلاقات في الحياة العامة ويقتضي أشكال حياة مختلفة ونشاطاً مشتركاً وإقامة مؤسسات نظامية. هو واقع يتغذى من معين عوامل تاريخية عديدة من بينها ينبغي أن نعدّ التقدم العلمي والتطورات التكنيكية، وفعالية مثمرة أعظم، ومستوى حياةٍ عند الناس أرفع.

46- إن الاتجاه الاشتراكي المعاصر هو علة ونتيجة معاً لتدخل السلطات العامة المتزايد حتى في الميادين الأكثر دقة وحساسية: كالعناية الطبية وتثقيف الأجيال الجديدة وتربيتها والتوجيه المهني وطرق إصلاح الناقصين وإعادة تدربهم، وهو أيضاً ثمرةٌ وتعبيرٌ عن ميل طبيعي في الناس، تقريباً لا يُقاوم: ميلٍ إلى التشارك لبلوغ أهدافٍ تتعدى قوى الأفراد والوسائل التي يستطيعون أن يستخدموها. نزعة خلقت، ولاسيما في عشرات السنين الأخيرة، مجموعةً من الجماعات، والشركات والمؤسسات ذات غايات اقتصادية وثقافية واجتماعية ورياضية وترفيهية ومهنية وسياسية سواء أكان في داخل الجماعات السياسية أم على الصعيد العالمي.
 

تقدير

47- من البين أن الاتجاه الاشتراكي وفقاً لهذا المفهوم، تتأتى عنه منافع كثيرة. إنه، في الواقع، يتيح للناس أن يتمتعوا بحقوق شخصية عديدة ولاسيما بتلك التي تدعى حقوقاً اقتصادية واجتماعية، مثال ذلك الحق في الوسائل الضرورية للبلوغ إلى عيش إنساني حقاً؛ والحق في العناية الطبية، وفي ثقافة أساسية أعلى وفي تدريب مهني أكمل، والحق في السكن والعمل والراحة اللائقة والترويح عن النفس؛ وما عدا هذا كلّه، وبفضل تنظيم أكمل للوسائل العصرية المتعلقة بنشر الفكر – الصحافة والسينما والراديو والتلفزيون – يصير من السهل على كل شخص أن يشترك في معرفة الأحداث والتقلبات البشرية على نطاق عالمي.

48- غير أن الاتجاه الاشتراكي هذا يكثر من مذاهب التنظيم ويجعل التنظيم القانوني للعلاقات البشرية يزداد دقة يوماً بعد يوم فيضيّق بالتالي في مجال العمل الحرّ عند الأفراد؛ ويستعمل أساليب ويخلق أجواء تجعل من الصعب على الإنسان أن يكوّن لنفسه فكرة مستقلة عن التأثيرات الخارجية وأن يقوم بفعل تلقائي خاص ويضطلع بمسؤولياته ويثبت وجوده ويغني شخصيته. فهل يُستخلص من هذا كله أن الاتجاه الاشتراكي المعاصر، بامتداده اتساعاً وعمقاً، يحوّل الناس حتماً إلى آلات متحركة؟ لا بدّ من الجواب بالنفي عن هذا السؤال.

49- فلا يجوز أن يعتبر الاتجاه الاشتراكي المعاصر نتيجة لقوى طبيعية تحركها الحتمية بل هو، على العكس من ذلك، كما سبقنا وقلنا، من صنع أناس عاقلين واعين، وأحرار، فطروا على تحمل مسؤولية أعمالهم حتى ولو كانوا ملزمين في عملهم بأن يعترفوا بنواميس التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي ويحترموها إذا تعذر عليهم التملص من ضغط محيطهم تملصاً ناجزاً.

50- ومن هنا نخلص إلى القول بأنه من الممكن بل من الواجب أن يُحقق الاتجاه الاشتراكي بطريقة تكفل الإفادة ممّا يحمل من منافع، وتلافي مفاعيله السلبية أو كبحها.

51- وبلوغاً إلى هذه الغاية من الواجب على الأشخاص المتولين سلطة عامة أن تعمر صدورهم بمفهوم للخير العام صحيح وسليم. والخير العام يقتضي سلسلة من الأحوال الاجتماعية التي تتيح للناس وتهوّن عليهم تكميل شخصيتهم تكميلاً تاماً.

52- وعلاوة على هذا، نعتبر أنه من الضروري أن تتمتع الأجهزة المتوسطة والحوافز الاجتماعية المتنوعة التي يظهر بواسطتها بنوع خاص الاتجاه الاشتراكي ويتحقق، باستقلال فعّال بإزاء السلطات العامة وأن تسعى وراء مصالحها الخاصة بتعاون صادق فيما بينها وبخضوعها لمتطلبات الخير العام.

وليس بأقل ضرورة أن تظهر هذه الأجهزة الاجتماعية في شكل جماعة حقيقية وهذا يعني أن يُعتبر أعضاؤها ويُعاملوا كأشخاص مدفوعين إلى الاشتراك في حياتهم بهمّة وحمية.

53- إن منظمات المجتمع المعاصر تتطور: والنظام يتحقق فيها أكثر فأكثر بفضل توازن دائماً في تجدد. وهذا يتطلب من جهة تعاوناً مستقلاً يقوم به المعنيّون أفراداً كانوا أم جماعات؛ ومن جهة أخرى، تنسيقاً يتم في الوقت المناسب، وتوجيهاً من قبل السلطات العامة.

54- فلو كان الاتجاه الاشتراكي المعاصر يُمارس في النظام الأدبي وفقاً للخطوط المشار إليها لما كان يحمل، بطبيعته، أخطار تضييق خطيرة على حساب الأفراد بل لكان، على العكس من ذلك، يعزز فيهم الصفات الخاصة بالشخص البشري، ولكان يعيد حتى تنظيم الحياة العامة كما سبق فنادى به شرطاً لا بدّ منه لإرضاء مطالب العدالة الاجتماعية سلفنا بيوس الحادي عشر في الرسالة العامة "لأربعين سنة خلت" (23).

 

الحواشي:
23) Cf. AAS, XXIII, 1931, p. 222s.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي