أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

أم ومُعـلّمة                                                                                   mater et magistra

 

الرسالة العامة "لأربعين سنة خلت"

17- احتفل سلفنا الصالح الذكر بيوس الحادي عشر، غب مرور أربعين سنة، بذكرى الرسالة العامة "الشؤون الحديثة" بوثيقة جديدة رسمية هي الرسالة العامة "لأربعين سنة" (7).

ففي هذه الوثيقة يذكّر الحبر الأعظم بالحق الذي للكنيسة وبالواجب الذي عليها في أن تساهم مساهمة لا تقوم مقامها مساهمة في حلّ موفّق للمعضلات الاجتماعية الأكثر خطورةً  وإحراجاً التي تقض مضاجع العيلة البشرية. فيثبت من جديد المبادئ الأساسية والتوجيهات التاريخية التي تضمنتها رسالة لاوون الثالث عشر ويغتنمنها فرصة للتدقيق في بعض نقاط عقائدية حامت حولها شكوك بين الكاثوليك أنفسهم ولشرح الفكرة الاجتماعية المسيحية بالنظر إلى ظروف العصر الجديد.

18- أما الشكوك المنوّه عنها فكانت تدور بوجه خاص حول الملكية الفردية ونظام الأجور وموقف الكاثوليك حيال شكلٍ من الاشتراكية المعتدلة.

فبشأن الملكية الفردية يؤكد سلفنا من جديد طابعها، طابع الحق الطبيعي، ويشدد على وجهها ووظيفتها الاجتماعية.

19- وأما بشأن نظام الأجور فيرفض النظرية القائلة بأنه نظام بطبيعته جائر؛ ويشجب مع ذلك الأشكال اللا إنسانية والجائرة المستخدمة بعض الأحيان في تطبيقه. ويكرّر ويتبسّط في شرح القواعد التي ينبغي أن يستوحيها والظروف التي يجب أن يراعيها لكيلا ينتهك حرمة العدل والإنصاف.

20- وفي هذا الموضوع يوضح سلفنا أنه من المناسب، نظراً للظروف الراهنة، أن يُعدّل عقد العمل بعناصر تُقتبس من عقد الشراكة "بحيث يُدعى العمال والمستخدَمون إلى الاشتراك في ملكية المؤسسة وفي إدارتها، وعلى نوع ما، في الأرباح التي تنتجها" (8).

21- ويجب أن يعتبر من الأهمية العقائدية والعملية العظمى التأكيد أنه من المستحيل أن يُقدر العمل حق قدره وأن يمنح أجرة سديدة إذا ما أغفل اعتباره من ناحيتيه الفردية والاجتماعية معاً" (9).

ومن ثمَّ فلكي تُحدّد أجرة العمل يقضي العدل، يقول البابا، بأن يُحسب حساب لا لحاجات العمال ومسؤولياتهم العيلية فقط بل لوضع المؤسسة التي يشتغل فيها العمال ولمقتضيات الاقتصاد العام أيضاً (10).

22- بين الشيوعية والمسيحية، يذكّر البابا بأن التناقض هو أصيل؛ ويضيف أنه من غير الجائز، ولا بشكل من الأشكال، أن يقبل الكاثوليك بالاشتراكية المعتدلة أمّا لأنها مفهوم حياة مغلق على الزمني يعتبر فيها الرفاه غاية المجتمع القصوى؛ وإمّا لأنها تسعى جادّة إلى تنظيم اجتماعي للحياة العامة على مستوى الانتاج فقط دون سواه بصرف النظر عما يلحق تنظيمها من أذىً جسيم بالحرية البشرية، وإما لأنها تخلو من أي مبدأ سلطة اجتماعية حقّة.

23- على أنه لا يفوت بيوس الحادي عشر أن الوضع التاريخي، منذ إذاعة رسالة لاوون الثالث عشر، في أربعين سنة، قد تطوّر عميقاً. وفي الواقع فإن المنافسة الحرة، بقوة منطقها الذاتي، انتهت او كادت أن تنتهي إلى ملاشاة ذاتها؛ لقد جرّت إلى حشد للمال عظيم وإلى حصر سلطة اقتصادية هائلة بين أيدي بعض أفراد "ليسوا عادة بالمالكين بل هم مؤتمنون ووكلاء على رأس مالٍ يديرونه على هواهم" (11).

24- وفي هذه الأثناء، كما يشير الحبر الأعظم بثاقب بصره، "خلفت حرية السوق ديكتاتورية اقتصادية" وشهوة الكسب أخلت المكان لطموح طليق العنان إلى السيادة، فأمست الحياة الاقتصادية كلها، وبشكل مرعب، شاقة عنيفة قاسية (12) قاضية باستعباد السلطات العامة لمصالح فئاتٍ، ومؤدّية إلى هيمنة المال هيمنة دولية.

25- فلمعالجة هذا الوضع عيّن الراعي الأسمى، كمبادئ أساسية، العودة إلى دمج العالم الاقتصادي في النظام الأدبي، وإدخال السعي وراء المصالح – فردية أم جماعية – في دائرة الخير العام؛ وهذا يقتضي، طبقاً لتعليمه، إعادة تنظيم الحياة العامة بواسطة الرجوع إلى إقامة أجهزة متوسطة مستقلة ذات غاية اقتصادية ومهنية لا تفرضها الدولة بل يخلقها أعضاؤها من تلقاء أنفسهم، واسترجاع السلطات العامة سلطانها لتؤمّن المهام التي تعود إليها في تحقيق الخير العام، والتعاون الاقتصادي على الصعيد العالمي بين الجماعات السياسية.

26- على أن في رسالة بيوس الحادي عشر القيمة موضوعين أساسيين كلاهما خليقان برويّتنا وتبصّرنا.

الأول ينهي نهياً باتاً عن أن تتخذ قاعدة قصوى لنشاطات العالم الاقتصادي ومنظماته المصلحة الفردية أو الجماعية، أو التنافس الحر، أو الهيمنة الاقتصادية، أو نفوذ الدولة وقوّتها، أو قواعد أخرى من هذا النوع.

بل على العكس من ذلك، يجب أن يُعتبر كقواعد عُليا لتلك النشاطات والأنظمة العدل والمحبة الاجتماعيان.

27- والثاني يوصي بخلق نظام شرعي، قومي ودولي، تمهره قوانين ثابتة عامة وخاصة: يستوحي العدل الاجتماعي وله ينقاد الاقتصاد؛ وهكذا تقلّ الصعاب في طريق العوامل الاقتصادية إلى العمل في إنسجام مع مقتضيات العدل في نطاق الخير العام.

 

الحواشي:
7) Cf. ivi, pp. 177-228.
8) Cf. ivi, p. 199.
9) Cf. ivi, p. 200.
10) Cf. ivi, p. 201
11) Cf. ivi, p. 210s.
12) Cf. ivi, p. 211
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي