أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

تألق الحقيقة                                                                                  Veritatis splendor

الفصل الأول

"أيها المعلم، ماذا أعمل من الصلاح؟"

(متى 19 / 16)

المسيح والجواب على التساؤل في الأخلاق

 

"ودنا منه أحدهم" (متى 19 / 16)

6- إن حوار يسوع مع الشاب الغني الوارد في الفصل التاسع عشر من إنجيل القديس متى يوفر لنا أرضية صالحة لنعود فنسمع من فم المسيح ما يُزيل كل إبهام عن تعليمه في الأخلاق: "ودنا منه أحدهم وقال له: أيها المعلم الصالح ماذا أعمل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لِمَ تدعوني صالحاً؟. واحد هو الصالح. ان شئت أن تدخل الحياة إحفظ الوصايا. فقال له: وما هي؟ قال له يسوع:لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد شهادة زور، أكرم أباك وأمك وأحبب قريبك كنفسك. فقال له ذلك الشاب: هذه كلّها حفظتها فما ينقضي بعد؟ قال له يسوع: إن شئت أن تتكون كاملاً إذهب وبِعْ مقتناك وأعطهِ للمساكين، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني" (متى 19 / 16 – 21) (13).

7- "وجاءَ أحدهم..." في هذا الشاب الذي لم يذكر انجيل متى اسمه ينبغي أن نرى كل إنسان يسعى، على وعي منه أو غير وعي، إلى المسيح، فادي الإنسان ويطرح عليه السؤال في القضية الأخلاقية. وهو الشاب، قبل أن يكون ذلك سؤالاً عن الشرائع التي يجب حفظها، بحث عن المعنى الكامل لحياته. وذلك فعلاً هو الهدف الخاص لكل قرار وعمل بشري والسعي الخفي والحافز الباطني الذي يحرّك الحرية. وما كان هذا السؤال في النهاية الاّ ليعبر عن التوق إلى الخير الأسمى الذي يجذبنا ويدعونا اليه. إنه صدى الدعوة الآتية من الله الذي منه انبثقت حياة الإنسان واليه تنتهي. ذلك هو البُعد الذي يحث المجمع الفاتيكاني أن لا يغيب عن السعي إلى التعمق في علم لاهوت الأخلاق، بحيث يبرز في معالجته قدر الدعوة السامية للغاية التي قبلها المؤمنون من المسيح (14)، الجواب الوحيد الذي يملأ رغبات قلب الإنسان.

ولقد أقام الله كنيسته لكي يتمكن البشر من تحقيق مثل هذا "اللقاء" مع المسيح، لأنها هي "تسعى إلى هذا فقط أن يجد المسيح كل إنسان، لكي يكمل المسيح ايضاً مسيرة الحياة مع كل أحد" (15).

 

"أيّها المعلّم ماذا أصنع من الصلاح لتكون لي الحياة الأبدية؟" (متى 19 / 16) 

8- من صميم القلب خرج هذا السؤال الذي يوجهه الشاب الغني للمسيح، سؤال أساسي في حياة كل انسان يقتضي الجواب عليه، لأنّه يتعلّق بممارسة العمل الأخلاقي الصالح والحياة الأبديّة. إن من يتكلّم مع المسيح يعرف جيداً الصلة القائمة بين العمل الأخلاقي الصالح وتقرير مصيره. هو اسرائيلي تقي عاش، إذا جاز القول، في ظلّ شريعة الرّب.

ويمكننا أن نستخلص ممّا قاله ليسوع إنه لم يكن ليجهل البتة جواب الشريعة. الأرجح ان ما في شخص يسوع من جاذبية اثار فيه اسئلة جديدة في الصلاح الأخلاقي. وقد رأى أن لا بدّ له حقاً من الإتصال بذلك الذي بدأ كرازته بهذه الدعوة الجديدة الملحة والأساسية: "لقد تمّ الزمان وملكوت الله اقترب، توبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1 / 15).

فلا بدّ لإنسان عصرنا من أن يلتفت إلى المسيح ليأخذ منه الجواب على الخير والشر.

هو المعلّم، القائم من الموت، الذي فيه الحياة وهو حاضر في كنيسته وفي العالم أجمع. يفتح الكتب (المقدسة) للمؤمنين، وباعلانه كل ما يريده الآب يعلّم الحقيقة في السلوك الأخلاقي. المسيح مبدأ تدبير الخلاص وقمته، الألف والياء في تاريخ البشرية، هو يكشف سرّ حالة الإنسان ودعوته الكاملة. لذلك "فالإنسان الذي يريد أن يعرف ذاته في العمق، لا يكتفي باعتبارات ومعايير في حياته مرتجلة وجزئية وفي الغالب خارجية بل ظاهرية فقط، بل يجب عليه أن يسلّم ذاته إلى المسيح مع قلقه وشكوكه، مع ضعفه وشرّه، ومع حياته وموته. ينبغي له أن يدخل في المسيح، إذا جاز القول، مع كل ما هو عليه. عليه أن يضطلع ويلتزم بحقيقة التجسد والفداء كلها، لكي يعود فيجد نفسه. هذا الخط اذا أكمل الإنسان المسيرة عليه، فإنه ينعم ليس فقط بعبادة الله بل أيضاً بمشاهدته" (16).

فإذا شئنا أن نتعمّق في فهم تعليم الإنجيل في الأخلاق، وادراك محتواه السامي والذي لا يتغيّر، علينا أن نتفحّص بدقة معنى سؤال الشاب الغني في الإنجيل، وأكثر منه معنى جواب يسوع كما يهدينا هو اليه. فيسوع بثاقب معرفته ما في الإنسان يجيب وكأنه يقود الشاب بيده خطوة إلى معرفة الحقيقة الكاملة.


"واحد هو الصالح" (متى 19 / 17)

9- قال يسوع: "لم تسألني عن الصلاح؟ واحد هو الصالح. إن شئت أن تدخل الحياة إحفظ الوصايا" (متى 19 / 17). أمّا في رواية الإنجيليين مرقس ولوقا فالسؤال وارد هكذا: "لمَ تدعوني صالحاً؟ لا صالح إلاّ الله وحده" (مر 10 / 18 انظر لو 18 / 19).

إن المسيح قبل أن يردّ على السؤال يدعو الشاب إلى أن يَعي بوضوح في ذاته السبب الذي يدفعه إلى طرح السؤال. "فالمعلم الصالح" يُعلن للذي يسأله – ولنا نحن أيضاً – ان الجواب على السؤال: "ماذا أفعل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبدية؟" لا يمكن أن نجده إلاّ بتوجيه روحنا وقلبنا نحو من هو "وحده صالح": "لا صالح الاّ الله وحده" (متى 10 / 18 انظر لو 18 / 19). فالله وحده يمكنه أن يجيب على السؤال في الصلاح، لأنّه هو الصالح.

فالبحث عن الصلاح يَعني بالفعل التوبة إلى الله، كمال الصلاح. ويُبيّن يسوع أن السؤال الذي يطرحه الشاب على نفسه هو بالواقع سؤال ديني قبل كل شيء. والصلاح الذي يستهوي الإنسان، ويلزمه في آن معاً، ينبع من الله بل هو الله نفسه، الذي وحده هو أهل لأن "يُحب من كلّ القلب وكل النفس وكل الفكر" (متى 22 / 37)، وهو منبع سعادة الإنسان. يسوع يردّ الفعل الصالح إلى جذوره الدينية، إلى الاعتراف بالله، الصلاح الأوحد، ملء الحياة الأبدية، غاية العمل البشري الأخيرة، والسعادة الكاملة. 

10- إن الكنيسة المتثقفة بكلام المعلّم تَعتبر أن الإنسان المصنوع على صورة الخالق، المُفتدى بدم المسيح، والمُقدّس بحضور الروح القدس، غايته الأخيرة هي في أن يكون "للإشادة بمجد" (أفسس 1 / 12) الله، مهتماً في أن يعكس بهاءَه في كل عمل من أعماله: "إعرفي ذاتك اذن ايتها النفس الجميلة، إنك صورة الله"، يكتب القديس امبروسيوس. إعرف نفسك إيها الإنسان إنك مجد الله (1 قور 11 / 7). واسمع كيف تكون انت مجدُ الله. يقول النبي: "معرفتك صارت عجيبة فوق طاقتي" (مز 138 / 6)، ذاك يعني أن جلالك في أعمالي أعجب وفي مشورة الإنسان يُبشر بحكمتك. وفيما أتأمل في ذاتي، أنا مَن تَعرف أنتَ أفكاري الخفيّة ومشاعري الباطنيّة، أدرك اسرار حكمتك. أعرف إذن ذاتك أيها الإنسان كم أنت عظيم واسهر على ذاتك."(17)

يَتضح للإنسان من هو وما عليه أن يفعل عندما يُظهر الله نفسه. فالوصايا العشر ترتكز على هذه الكلمات: "أنا الرّب إلهك الذي أخرجتك من أرض مصر، من دار العبوديّة، لا يكنْ لكَ آلهة أخرى تجاهي" (خروج 20 / 2 – 3). في كلمات العهد مع إسرائيل العشر وفي الشريعة كلها يظهر الله أنه يُريد أن يُعرف ويُعترف به أنه هو "وحده الصالح" وهو وحده، برغم خطيئة الإنسان، يظل "المثال" الأعلى للمسلك الخُلقي الذي تُعبر عنه الوصية: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس ربكم وإلهكم" (أحبار 19 / 2) والذي يظل أميناً في محبته للإنسان، فيعطيه شريعته (أنظر خروج 19 / 9 – 24 و 20 / 18 – 21) لكي يرده إلى الوفاق الذي كان قائماً في البدء بينه وبين الخالق والكون كله، وبخاصة لكي يُدخله في محبته: "وأسير بينكم، وأكون إلهكم وتكونون لي شعباً" (أحبار 20 / 12).

ويبدو الإلتزام بالحياة الأخلاقية كجواب مبادرات حب الله المجانية الكثيرة للإنسان. إنه جواب الحب، على حد ما جاء في سفر تثنية الإشتراع عن الوصية الأولى: "اسمع يا إسرائيل إن الرب إلهنا ربّ واحد، فأحبّ الربّ إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك، ولتكن هذه الكلمات التي آمركَ بها اليوم في قلبكَ، وكررها على بنيك" (تثنية 6 / 4 – 7). وهكذا فالحياة الأخلاقية المتضمنة في هبة حب الله المجاني، تعكس مجد الله: "مَن أحبَّ الله يكفيه أن يُرضي من يُحب، فليس مكافأة ننتظرها أعظم من المحبة ذاتها. فالمحبة هكذا تأتي من الله، لأن الله نفسه هو المحبة" (18).

11- القول إن الله وحده صالح يردّنا إلى لوح الوصايا الأولى الذي يَدعونا لأن نعترف بالله رباً واحداً ومتعالياً ونؤدي له وحده العبادة لأجل قداسته اللامتناهية (انظر خروج 20 / 2 – 11). فالصلاح هو أن نكون لله ونطيعه، وأن نسير أمامه بتواضع ونحن نصنع البرَّ ونحب الرحمة (انظر ميخا 6 / 8). ولأن نَعرِفَ الرب إلهاً لنا هو من الشريعة الرأس والأساس والقلب، منه تصدر وإليه تتجه الوصايا الخاصة. وبممارسة الوصايا الأخلاقية يبرز اختصاص شعب اسرائيل بالرب لأن الله هو الصالح وحده. تلك هي شهادة الكتب المقدسة، كل صفحة منها تنضح بالشعور الحي بقداسة الله المُطلقة: "قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود" (اشعيا 6 / 3).

لكن إذا كان الله هو الصلاح، لا يستطيع إنسان بجهده الخاص، حتى في سعيه للحفاظ التام على الوصايا، أن "يتمِّم" الشريعة، أي أن يعترف بالرب إلها ويُؤدي العبادة التي تجب له وحده (انظر متى 4 / 10). "تتميم" الشريعة لا يمكن أن يكون إلا عطية إلهية. إنها تقدمة الشركة مع الصلاح الإلهي الذي تجلى واكتمل في يسوع، من دعاه الشاب الغني بقوله "أيها المعلم الصالح" (مر 10 / 17 و لو 18 / 18). وإنَّ ما استطاع لربما أن يلمحه لمحاً فقط سينكشف له في النهاية جلياً، بدعوة يسوع له: "تعال اتبعني".


"إن شئت أن تدخل الحياة، إحفظ الوصايا" (متى 19 / 17)
 

12- الله وحده يستطيع أن يُجيب على السؤال عن الصلاح، لأنّه هو الصلاح. بَيدَ أن الله سبق فأجاب على هذا السؤال: فَعلَ ذلك يوم خَلَقَ الإنسان، وأعدّه بحكمة ومحبّة للغاية التي لأجلها خُلِقَ، بشريعةٍ مكتوبةٍ في قلبه (انظر روم 2 / 15)، "الشريعة الطبيعة" وما هذه إلاّ "نور العقل الذي أفاضه الله فينا، به نَعرفُ ما علينا أن نعمله وما علينا أن نتجنّبه. نور وشريعة منحها الله للإنسان حين خَلقَه" (19). وهذا ما دأب عليه فيما بعد، في تاريخ اسرائيل، وبالأخص "بالكلمات العشر"، أو الوصايا في سيناء، بها ثبَّتَ وجود شعب العهد (انظر خروج 24) ودعاه ليكون له "خاصة من جميع الشعوب، شعباً مقدساً" (انظر خروج 19 / 5 – 6)، يجعل نور قداسته يتألَّق بين الأمم (انظر الحكمة 18 / 4 وحزقيال 20 / 41). وعطية الوصايا العشر هي وعد العهد الجديد وعلامته، فيه ستُكتَب الشريعة من جديد في قلب الإنسان (انظر ارميا 31 / 31 -34)، وتحلّ محلّ شريعة الخطيئة التي أفسدت ذلك القلب (انظر ارميا 17 / 1)، فيعطي حينئذ "قلباً جديداً" لأن "روحاً جديداً" سيحل فيه هو روح الله (انظر حزقيال 36 / 24 – 28) (20).

لذلك بعد التوضيح الهامّ "واحد هو الصالح" قال يسوع الشاب: "إن شئتَ أن تدخل الحياة. إحفظ الوصايا" (متى 19 / 17) وبذلك يُعبّر صراحة عن العلاقة الوثيقة بين الحياة الأبدية والعمل بالوصايا الإلهية. فوصايا الله تُهدي الإنسان إلى طريق الحياة وتُوصله إليها. من فم المسيح نفسه، موسى الجديد، تُعلن للبشر ثانية الوصايا العشر وهو يثبتها نهائياً ويضعها أمامنا كطريق وشرط الخلاص. والوصية مرتبطة بوعد. موضوع الوعد في العهد القديم كان أرضاً يملكها الشعب ويعيش فيها بحرية وحسب البر. (انظر تثنية 6 / 20 – 25). أمّا في العهد الجديد فموضوع الوعد  "ملكوت السماء"، كما أعلن يسوع في "العظة على الجبل" – عظة تحوي الصيغة الأشمل والأكمل للشريعة الجديدة (متى 5 / 7)، المتفقة اتفاقاً جلياً مع الوصايا العشر التي سلّمها الله لموسى على جبل سيناء. وتتطابق العبارة "الحياة الأبدية" مع مضمون كلمة ملكوت، أنها الإشتراك بحياة الله ذاته، شركة تبلغ كمالها فقط بعد الموت، بيد انها بالإيمان منذ الآن، نور الحق، ومصدر معنى الحياة، وهي بدء الاشتراك بالملء في أتباع المسيح. يترك بيوتاً أو إخوةً أو أخوات أو أباً أو أماً أو إمرأةً أو بنين أو حقولاً لأجل إسمي ينال عوض الواحد مئة ويرث حياة الأبد" (متى 19 / 29). 

13- لم يكتفِ الشاب بجواب يسوع، فراح يسأل المعلّم عن الوصايا الواجب حفظها قال له: "ماهي" (متى 19 / 18) يسأل عما يجب عليه أن يفعله في الحياة لكي يظهر أنه معترف بقداسة الله. أمّا يسوع فبعد أن حوّل فكر الشاب إلى الله، ذكّره بالرسوم التي في الوصايا العشر تتعلّق بالقريب. "قال يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد شهادة زور، أكرم أباك وأمك وأحبب قريبك حبّك لنفسك" (متى 19 / 18 -19).

من سياق الحديث وخاصة من المقابلة بين النص الوارد عند متى والنصوص الموازية عند لوقا ومرقس، يتضح أن يسوع لم يكن يَنوي أن يُعدد واحدة واحدة كل الوصايا الضرورية "لدخول الحياة"، بل بالأحرى أن يشدّ الشاب إلى "نقطة الارتكاز" في الوصايا العشر بالنسبة لكل وصية أخرى، الا وهي ما تعنيه للإنسان الآية: "أنا الرب الهك". لا يمكننا اذن أن نغفل عن أحكام الشريعة التي يذكّر الرب بها الشاب وهي عداد وصايا ما يسمونه "اللوح الثاني" من الوصايا العشر التي (انظر روم 13 / 8- 1) يختصرها ويكملها بوصيّة محبة القريب: "أحبب قريبك حبّك لنفسك" (متى 19 / 19 ومر 12 / 31). ففي هذه الوصية تَبرز كرامة الشخص البشري الخاصة لكونه "الخليقة الوحيدة التي أرادها الله لذاتها" (21). وما وصايا الله المختلفة سوى ترديد للوصية الواحدة المتعلقة بخير الشخص البشري، كما أن تعدد المواهب عنده يُعبر عن ماهية طبيعته الروحية والبشرية التي تتصل بالله وبالقريب وسائر مخلوقات الكون، على حدّ ما جاء في تعليم الكنيسة الكاثوليكية المسيحي: "إن الوصايا العشر هي وحي الله، ولكنها تعلّمنا بالوقت ذاته ماهية انسانية الإنسان. تسلط الضوء على الواجبات الأساسية وبوجه غير مباشر اذن على الحقوق الأساسية الملازمة لطبيعة الشخص البشرية" (22).

الوصايا التي ذكّر يسوع بها الشاب الذي تكلّم معه تؤمّن صالح الشخص البشري، صورة الله، بتأمين كل ما يؤول لخيره: "لا تقتل، لا تزنِ،لا تسرق، لاتشهد شهادة زور" وهي كلها مبادئ أخلاقية يُعبّر عنها بأسلوب النهي.

إن الوصايا الناهية تعبر بشكل أقوى عن واجب بديهي لا يُمَسْ، واجب الحفاظ على الحياة البشرية، والشركة التي تُوحِّد الزوجين والملكية الخاصة، والصدق والصيت الحسن.

الوصايا إذاً هي الشرط الأساسي لمحبة القريب وهي محك لها. وتشكل المرحلة الأولى في الطريق المؤدي إلى الحرية وبدايتها. لقد كتب القديس أغسطينوس يقول: "الحرية الأولى إذن هي في تجنب المعاصي... كالقتل، والزنى، والتدنس بالفسق، والسرقة، والغش، وانتهاك القدسيات وما شابه ذلك. وإذا أخذ الإنسان يتجنب الوقوع فيها (وكل إنسان مسيحي يجب أن يتجنبها) يأخذ يتطلّع إلى الحرية، إنما تلك بداية حرية لا حرية كاملة" (23)

14- بَيْدَ أن ذلك لا يعني أن المسيح يُريد محبة القريب أن تسبق محبة الله أو أن تفترق عنها. العكس هو الصحيح كما يتضح من حواره مع معلم الشريعة. يطرح عليه هذا سؤالاً شبيهاً بسؤال الشاب فيُحيله يسوع على وصيّتي محبة الله ومحبة القريب (لو 10 / 25- 27)، مذكّراً بأن في حفظها فقط بلوغ الحياة الأبدية: "أفعل هذا تحيَ" (لو 10 / 28). وممّا يُلفت النظر أن تكون الوصية الثانية بالتحديد هي التي أثارت فضول معلّم الشريعة وجعلته يسأل: "من هو قريبي؟" (لو 10 / 29). فأجابه المعلّم بمثل السامري الصالح، المثل المفتاح لفهم وصيّة محبة القريب (انظر لو 10 / 20 – 37).

هاتان الوصيتان اللتان "بهما تتعلّق الشريعة كلها والأنبياء" (متى 22 / 40) هما متداخلتان ومرتبطتان ارتباطاً وثيقاً، وعلى وحدتهما التي لا تنحلّ يشهد المسيح بتعليمه وبحياته. وقد بلغت رسالته هذه الذروة على صليب الفداء (انظر يو 3 / 14 – 15)، علامة حبه الذي لا يتجزأ لأبيه وللجنس البشري معاً (انظر يو 13 / 1).

هذا ويؤكدّ بوضوح كل من العهدين القديم والجديد اننا لا يمكننا أن نحبّ الله محبة حقيقية بدون محبة القريب التي تتم بحفظ الوصايا. وهذا ما يركّز عليه القديس يوحنا بإلحاح في رسالته: "إذا قال أحد إنني أحب الله وهو يُبغض أخاه كان كاذباً لأن من لا يُحب أخاه الذي يراه لا يُمكنه أن يحبّ الله الذي لا يراه" (يو 4 / 20).

لهذا يتفق الإنجيلي مع تعليم المسيح الأخلاقي كما يعبّر عنه بشكل رائع لا لبسَ فيه بمثل السامري الصالح (انظر متى 25 / 31 – 46). 

15- في العظة على الجبل التي تُعتبر شرعة الإنجيل الأخلاقية (24)، يقول يسوع: "لا تَظنوا أني جِئت لأحلِّ الشريعة والأنبياء، ما جئت لأحلّ بل لأُكمّل" (متى 5 / 17). يسوع هو مفتاح الكتب المقدسة: "تفحصوا الكتب ... إنها تَشهَد لي" (انظر يو 5 / 39). إنه هو محور التدبير الخلاصي، جامع العهدين القديم والجديد، ومحور الشريعة وتكميلها في الإنجيل، وهو الرباط الحيّ والأبدي بين العهد القديم والجديد. في شرح كلام بولس: "المسيح غاية الشريعة" (روم 10 /4) كَتَبَ القديس امبروسيوس يقول: "في المسيح لا زوال الشريعة بل كمالها، لأنّه أتى لا ليحلّ الشريعة بل ليكملها. فكما انه يوجد عهد قديم، ولكن الحقيقة كلها في العهد الجديد، كذلك فالشريعة التي أُعطيت على يد موسى هي صورة الشريعة، فشريعة موسى إذن هي النموذج الأول للحقيقة" (25).

لقد كمّل يسوع وصايا الله وبخاصة وصيّة محبة القريب برفع موجباتها إلى أعلى وأسمى المبررات: حبّ القريب ينبع من قلب يحب ولأنه يحب فهو أهلٌ لأن يضطلع بأسمى الموجبات. ويُوضح يسوع أن الوصايا يجب الاّ تؤخذ كغاية أدنى لا يجب تجاوزها بل كخطوة منفتحة على المسيرة الروحية والأخلاقية نحو الكمال، الحبُّ روحها (انظر كولوسي 3 / 14). هكذا تَصير الوصية "لا تقتل" دعوة إلى حبّ يَعطف على حياة القريب، يحميها ويغذيها. والوصية التي تحرّم الزنى تَصير دعوة إلى نظرة محتشمة إلى الجسد تحترم فيه معنى الزواج: "سمعتم انه قيل للأولين: "لاتقتل"، كل من يقتل يستوجب الإدانة. أمّا أنا فأقول لكم: من يغضب على أخيه يستوجب الإدانة... سمعتم أنه قيل: "لاتزنِ"، أمّا أنا فأقول لكم: كل من نَظرَ إلى أمرأة واشتهاها فقد زنى بها للحال في قلبه" (متى 5 / 21 – 22 و 27 – 28). ويسوع هو كمال الشريعة الحيّ لأنه يحقق معنى الشريعة الأصيل بتقدمةِ ذاته صار هو الشريعة الشخصية الحيّة، يدعو إلى تقفي خطاه، ويُعطي بروحه نعمة الإشتراك في حياته ويمنح الحبّ والقوة للشهادة له في خيارات الحياة والأفعال (انظر يو 13 / 34 – 35). 

ـــــــــــــــ

.الحواشي:
13)
Cf. Lettre apost. Parati simper à tous les jeunes du monde à l'occasion de l'Anné internationale de la Jeunesse (31mars 1985), nn. 2- 8: AAS 77 (1985), PP. 581- 600
14) قرار مجمعي في رسالة العلمانيين، عدد 16.
15) الرسالة الحبرية العامة "فادي الإنسان" (4/3/1979) عدد 13:
AAS 71 (1979) P.
16) المرجع ذاته 10.
17)
HexamronVIe jour , Sermo IV, 8, 50: CSEL 32,241
18) S. Léon Le Grand.Sermon XCII, ch.3: pl 54, 454.
19) S. Thomas d'Aquin, In duo præcepta caritatis et in decem legis præcepta. Prologus: Opuscula theogogica, i-II, q. 91, a, 2, Catéchisme de l'Église catholique, n. 1955.
20) Cf. S. Maxim le Confesseur, Quæstions ad Thalasuim q.64: PG, 723- 728
21) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور راعوي، فرح ورجاء، عدد 24.
22) تعليم الكنيسة الكاثوليكية المسيحي، عدد 2070.
23) In Iohannis Evangelium Tractatus, 41,10: CCL 36, 363
24) Cf. S. Augustin, De Sermone Domini in Monte, I,1,1: CCL 35,1-2.
25) In Psalmum CXVIII exposition, serm. 18, 37: PL 15, 1541. cf. S. Chromace d'Aquilée, Tractatus in Marthæum, XX, I, 1-4: CCL  9/A, 291-292.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي