أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

فادي الإنسان                                                                               Redemptor hominis 

4. عودة إلى رسالة بولس السادس الأولى
ولهذا يجب أن يقترب وعي الكنيسة بانفتاح القلب على الجميع، بحيث يتمكن كلّ الناس من أن يجدوا فيها "غنى المسيح الذي لا يسبر غوره" (10) والذي تحدّث عنه رسول الأمم. هذا الانفتاح الشامل المقترن بوعي الكنيسة طبيعتها الذاتية وبتأكدّها ممّا هي عليه من حقيقة تحدّث عنها المسيح بقوله: "كلمتي هذه ليست لي، بل للأب الذي أرسلني" (11) هو ما يولي الكنيسة هذا الزخم الرسولي أي الإرساليّ، عندما تعترف بالحقيقة كاملة مطلقة التي اقتبلتها من السيد المسيح، والتي تعلنها.
وعليها في الوقت عينه أن تتابع الحوار الذي دعاه بولس السادس في رسالته المبدؤة: كنيسته، "الحوار الخلاصي" وقد عيّن له بدقّة ما يمكن تسميته بالدوائر التي يجب أن يدور فيها (12). وإنّا، إذ نرجع الآن إلى هذه الوثيقة التي تتضمّن المنهج الذي رسمه بولس السادس لحبريته، لا نفتر عن رفع آيات الشكر لله لكون سلفنا هذا الكبير الذي كان أباً حقيقياً لنا قد أظهر "إلى الخارج" وجه الكنيسة الأصيل، برغم ما أصابها في فترة ما بعد المجمع من نكسات داخلية مختلفة. وهكذا أصبح يشعر قسم كبير من العائلة البشرية، على مختلف مستويات الحياة وأنواعها، شعوراً متزايداً – على ما نعتقد – بحاجته إلى كنيسة المسيح ورسالتها وخدمتها.
وقد بدا هذا الشعور أحياناً أقوى من مختلف المواقف التي اتخذها المنتقدون الذين هاجموا من الداخل الكنيسة ومؤسّساتها ونظمها ورجال الاكليروس وما يقومون به من نشاط. وهذا الدأب المتزايد في الانتقاد له أسباب مختلفة وهو بعد، وهذا ما نحن متأكّدون منه، لا يخلو من محبة خالصة للكنيسة. وما من شكّ في أنه يدلّ، بقطع النظر عما سوى ذلك، على إرادة التغلّب على ما يُعرف بروح التعالي الذي كان موضوع جدل طويل إبّان انعقاد المجمع. وإذا صحّ أن من واجب الكنيسة أن تتبع مثل معلّمها الذي كان "وديعاً ومتواضع القلب" (13) وإنها قائمة على التواضع، وأن تتفحّص بعين النقد كلّ ما يمّيزها وما تقوم به من نشاط، وأن تأخذ نفسها بالشدّة، فيجب كذلك أن يوضع حدّ معقول لهذا الإصرار على الانتقاد، وإلاّ بطل أن يكون انتقاداً نافعاً وبناءً وهادفاً إلى إظهار الحقيقة والمحبة وإبداء عاطفة الشكر والاعتراف بالنعمة، التي نصبح فيها شركاء بصورة أساسية تامة، في الكنيسة وبواسطتها. وبالإضافة إلى ذلك إن هذا الدأب في النقد، لا يظهر نية الخدمة بل إرادة جازمة على توجيه رأي الآخرين وفقاً للرأي الذاتي الذي غالباً ما يجاهر به من يجاهر عن طيش وخفة.
وعلينا أن نؤدّي واجب الشكر لبولس السادس لكونه، بمحافظته باحترام على كلّ جزء الحقيقة الكائنة في مختلف الآراء البشرية، قد حافظ في الوقت عينه، بنظرته الثاقبة، على الاتزان ورباطة الجأش فيما كان يقوم بمهمة ربّان السفينة (14). والكنيسة التي آلت إلينا مقاليدها مباشرة تقريباً بعده، على أثر وفاة يوحنا بولس الأول، تعترضها ولا شكّ صعوبات وتعتورها مشادّات داخلية ولكنها في الوقت عينه أشدّ باستطاعتها أن تمارس ما لها من قوة أشدّ على النقد في مقابل ما يوجّه إليها من مختلف الانتقادات الطائشة وأن تجابه مجابهة أقوى "التجديدات" المتعدّدة، وإنها بدت أنضج في ما خصّ روح التمييز وأقدر على إخراج "القديم والجديد" (15) من كنزها الأبدي، وعلى الإكباب على سرّها الخاصّ، وبفضل هذا كلّه، إنها تظهر أكثر استعداداً للقيام بمهمة الخلاص بالنسبة إلى جميع الناس: ذلك أنّ الله "يريد أن يخلّص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق" (16).

5. مشاركة ورسالة
إنّ الكنيسة في هذه الأيام تبدو، برغم جميع المظاهر، أشدّ تماسكاً في الاشتراك في الخدمة وفي وعي الرسالة. وينبع هذا التماسك من مبدأ المشاركة الذي اقترحه المجمع الفاتيكاني الثاني والذي أدخله السيّد المسيح على مجمع الرسل الاثني عشر برئاسة بطرس، والذي يجدّده، دونما انقطاع، في مجمع الأساقفة، بحيث يتنامى في جميع أقطار المسكونة بالارتباط مع خليفة بطرس وبقيادته. ولم يكتف المجمع بالإعراب عن مبدأ مشاركة الأساقفة وحسب، لكنَّه نفحه بالحيوية عندما تمنى على الأخصّ أن يكون هناك مؤسّسة ثابتة أنشأها بولس السادس عندما أسّس مجمع الأساقفة الذي لم يضف عمله على حبريته وزناً جديداً وحسب، بل انعكس أيضاً بوضوح، فيما بعد، ومنذ البداية، على حبرية يوحنا بولس الأوّل وعلى حبرية خلفه الحقير.
وقد بدا مبدأ المشاركة هذا ملائماً لهذه الفترة الصعبة من الزمن التي تلت المجمع، عندما ساهم أساقفة الكنيسة بما أبدو من تضامن ووحدة في التفكير – وبما أعربوا عنه على الأخصّ بواسطة مجمع الأساقفة من اتحاد بخليفة بطرس – في تبديد الشكوك وفي الوقت عينه في رسم السبل المؤاتية لتجديد الكنيسة على نطاق شامل. وقد انطلقت من مجمع الأساقفة، فيما انطلق، هذه الوثبة الهادفة إلى نشر الإنجيل (17) وقد قوبل بموجة من الفرح، باعتباره أنه يصحّ أن يكون منهجاً لتجديد رسولي رعوي. وحافظ مجمع الأساقفة على الخطة عينها في دورته العادية الأخيرة التي انعقدت لسنة مضت تقريباً قبل وفاة بولس السادس والتي عالجت، على ما هو واضح، قضية التعليم الديني. وينبغي للكرسي الرسولي أن يجمع حصيلة أعمال هذه الدورة وينشرها. ولمّا كنا نبحث في ما أحرزته الصيغ التي تعرب عن مبدأ مشاركة الأساقفة من تقدّم ظاهر، وجب علينا أن نذكر على الأقلّ، كيف تركزت المؤتمرات الأسقفية الوطنية في الكنيسة الجامعة وما يشابهها من أشكال مشاركة، سواء أكانت دولية أم قارية. وأمّا ما خصّ تقليد الكنيسة القديم، فلا بدّ من التنويه بأعمال المجامع المحلية. وكان في نية المجمع – وقد وُفّق بولس السادس إلى إخراج هذه النّية إلى حيّز التنفيذ – أن تجهد هذه المؤسّسات التي أقرتها الكنيسة بعد اختبار دام قروناً وتعمل هي وغيرها من صيغ المشاركة بين الأساقفة من مثل ما يدعى بالمقاطعات الكنسية لكيلا نذكر كلّ أبرشية بمفردها، وذلك ضمن وحدة الكنيسة الشاملة، عن وعي تامّ لما لها من هوية وميزة خاصّة. ويتشرب الكهنة هذه الروح عينها التي يشعرون معها بأنهم يشاركون في العمل والمسؤولية، وهذا ما تؤكده المجالس الكهنوتية العديدة التي نشأت بعد المجمع، وقد خالج العلمانيين أيضاً هذا الشعور الذي لم يعمل على ترسيخ المنظمات الرسولية العلمانية وحسب، بل ساعد على إنشاء منظمات جديدة تختلف غالباً عن السابقة بطبيعتها وتبدي نشاطاً خارقاً. وفضلاً عن ذلك إنَّ العلمانيين الذين لا يجهلون ما عليهم من إلزام ضميري نحو الكنيسة يمدّون بطيبة خاطر يد المساعدة للرعاة وللذين يمثلون مؤسسات الحياة المكرّسة لله في نطاق مجامع الأبرشية والمجالس الرعوية في الرعايا والأبرشيات. وعلينا في مستهلّ حبريتنا أن ننعم النظر في هذه الأمور جميعها لنرفع آيات الشكر لله ولنثبّت بقوة جميع إخواننا وأخواتنا، ولنستعيد، بالذاكرة وبحرارة، أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني وأسلافنا العظام الذين نفخوا في الكنيسة نسمة حياة جديدة وهي أقوى بكثير من دواعي الشكّ والخراب والانقسام.

6. طريق الوحدة المسيحية
وما القول عن المبادرات التي صدرت عن الحركة المسكونية الجديدة؟ لقد اعتبر يوحنا الثالث والعشرون راعي الكنيسة الأعظم الخالد الذكر والأثر، ببصيرة إنجيلية نافذة، أنَّ مسألة توحيد المسيحيين قد صدرت، على ما هو واضح، عن إرادة يسوع المسيح ربّنا الذي غالباً ما أعلن عنها وقد جاهر بها على الأخصّ في صلاته في العليّة، قبيل موته يوم قال: "أسألك... أيها الآب أن يكونوا جميعاً واحداً" (18)، وقد أجاب المجمع الفاتيكاني الثاني على هذا الطلب باختصار عندما أصدر قراره في المسكونية. وكان الحبر الأعظم بولس السادس، بمعاونة أمانة سرّ وحدة المسيحيين أول من بذل جهوداً شاقّة في سبيل تحقيق هذه الوحدة. ترى هل ذهبنا بعيداً على هذه الطريق؟ يمكننا، دون أن نردّ بالتفصيل على هذا السؤال، أن نؤكّد، على الأقلّ، أننا أحرزنا تقدماً حقيقياً وهاماً. غير أنه من الثابت أننا عملنا دائبين وفي انسجام، كما عمل معنا أيضاً في هذا المجال، من يمثّلون غير كنائس وجماعات مسيحية، وهذا ما نشكره لهم خالص الشكر. ومن الأكيد، فضلاً عن ذلك، أنّه في حالة الكنيسة والعالم الحاضرة، ما من وسيلة يمكن اعتمادها، على ما يبدو، لإتاحة المجال للكنيسة للقيام بوظيفتها سوى التصميم على البحث بأمانة وثبات وتواضع وبجرأة أيضاً عن الطرق المؤدّية إلى التقارب والوحدة، دون أن يثبّط عزائمنا ما يعترض سبيلنا هذا من صعوبات متزايدة، وإلاّ نكون قد فقدنا الثقة بكلام المسيح وتنكرنا لوصيته. أفيجوز أن نقوم بهذه المجازفة؟ وإن هناك إناساً كانوا يريدون أن يعودوا القهقرى بعد أن بحثوا في هذه المسائل العويصة أو بعد أن اعتبروا أنّ حصيلة المبادرات المسكونية الأولى غير مجديّة، وقد قام حتى في وهم بعضهم أنّ هذه المساعي تعود بالضرر على قضية الإنجيل وتُفضي بالتالي إلى إحلال شقاق خطير في الكنيسة، وتؤدي إلى بلبلة الأفكار فيما يتعلق بالمبادئ الإيمانية والأخلاقية وتقود إلى نوع من اللامبالاة في القضايا الدينية. وبرغم أنه من المفيد أن يعلن أصحاب هذه الآراء عن مخاوفهم، غير أنّه، هنا أيضاً يجب الوقوف عند حدّ معقول. وما من شكّ في أنّ هذه الحقبة الجديدة من حياة الكنيسة تقتضينا أن نعتمد على إيمان يمتاز بالوعي والعمق وإدراك المسؤولية. إن التصرف المسكوني الحقيقي معناه الانفتاح والتقارب والاستعداد للحوار والبحث معاً عن الحقيقة بمعناها الإنجيلي المسيحي الأكيد، ولكنّ هذا لا يعني على الاطلاق ولا يمكن أن يعني التنازل عن كنوز الحقيقة الإلهية أو المساس، لأي سبب كان، بهذه الحقيقة التي أثبتتها الكنيسة وعلمّتها باستمرار. علينا أن نسأل مرة ثانية جميع الذين يريدون أياً كان السبب، أن يصدّوا الكنيسة عن الجري وراء وحدة المسيحيين الشاملة: هل يجوز لنا أن نهمل هذا الأمر؟ هل يمكننا – برغم الضعف البشري وأخطاء العصور الغابرة – ألاّ نثق بنعمة ربّنا التي ظهرت في الآونة الأخيرة في كلام الروح القدس الذي سمعناه في المجمع؟ فإذا فعلنا ذلك، أنكرنا حقيقة تتعلّق بنا، وقد امتدحها الرسول ببلاغة فقال "وبنعمة الله ما أنا عليه، ونعمته عليّ لم تكن عقيمة" (19).
وهذا ما يجب قوله – ولو بطريقة مغايرة ومع ما يجب إدخاله من فوارق – عن ذلك النشاط الذي يبذله من يمثلون الأديان غير المسيحية والذي يقوم على الحوار والاتصالات والصلاة معاً والغوص على كنوز الروحانية البشرية التي، على ما نعرف جيداً، لا تعوز أتباع هذه الديانات. وهل إنّ ثبات أتباع الديانات غير المسيحية على دينهم – وهذا نابع من روح الحقّ الفاعل خارج حدود الجسد السرّي المنظور – لا يخجل، ربّما أحياناً، المسيحيين الذين غالباً ما يميلون إلى الشكّ في الحقائق التي أوحاها الله وأعلنتها الكنيسة ويجنحون إلى النيل من مبادئ الأخلاق وفتح الطريق إلى الإباحية؟. جميل أن يكون المرء مستعداً لتفهّم أي كان من الناس وللبحث في كل نظام وللموافقة على كلّ ما هو حقّ وعدل، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أن يفقد إيمانه الوطيد (20) أو أن ينال من قاعدة الآداب والأخلاق التي لا يلبث فقدانها أن يترك أثره في حياة المجتمعات بكاملها ويجرّ وراءه، في ما يجرّ، أوخم العواقب.

 

الحواشي:
 

10) أفسس 3، 8
11) يو 14، 24
12) رسالة بولس السادس "كنيسته" أعمال الكرسي الرسولي عدد 56 سنة (1964)، 650
13) متى 11، 29
14) يجب التذكير هنا بأهمّ الوثائق التي أصدرها بولس السادس والتي نوّه هو ذاته ببعضها عندما كان يلقي عظته في القدّاس الذي احتفل به في عيد القديسين الرسولين بطرس وبولس سنة 1978: الرسالة التي عنوانها: كنيسته م ك ر 56 (1964) 609 – 659؛ غنى المسيح الذي لا تسبر أغواره م ك ر 57 (1965) 298 – 301؛ سرّ الإيمان: م ك ر 57 (1965) 753 – 774؛ رسالة في البتولية الكهنوتية: م ك ر 59 (1967) 657 – 697؛ الإقرار الإحتفالي بالإيمان: م ك ر 60 (1968) 433 – 445؛ رسالة في الحياة البشرية: م ك ر 60 (1968) 481 – 503؛
15) إرشاد رسولي: منذ خمس سنوات: م ك ر 63 (1971) 97 – 106؛ إرشاد رسولي: الشهادة الإنجيلية: م ك ر 63 (1971) 497 – 535؛ إرشاد رسولي: بعطف أبوي: م ك ر 67 (1975) 5 – 23؛ إرشاد رسولي: افرحوا بالرب: م ك ر 67 (1975) 289 – 322؛ إرشاد رسولي: وجوب التبشير بالإنجيل: م ك ر (1976) 5 – 76.
16) 1 اتيمو 2، 4
17) إرشاد رسولي لبولس السادس: التبشير بالإنجيل م ك ر 68 (1976) 5 – 76
18) يو 17، 21 ثم، 11. 22 – 23 و 10، 16، ولو 9، 49 – 50، 54
19) 1 كور 15، 10
20) راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الأول. دستور عقائدي في الإيمان الكاثوليكي. ابن الله، قانون 3 في الإيمان عدد 6. قرارات المجامع المسكونية. منشورات معهد العلوم الدينية بولونيا (1973) صفحة 811.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي