أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الإرشاد باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

    

المصالحة والتوبة في رسالة الكنيسة اليوم                                      Reconciliatio et paenitentia

القسم الأول

الارتداد والمصالحة:

مهمة الكنيسة وواجبها
 

الفصل الأول

مثل المصالحة

5- في مستهل هذا الإرشاد الرسولي تتبادر منّا إلى الذهن رواية القديس لوقا الفريدة التي حاولنا إبرازها في رسالة سابقة (19)، نعني الابن الضال (الشاطر) (20).

من أخ كان ضائعاً...

"كان لرجل ابنان. فقال له ابنه الأصغر: "يا أبتِ أعطني نصيبي من بيتك": قال يسوع وروى قصة هذا الشاب المؤثرة: أي مغادرته الطائشة البيت الوالدي، وتبذيره كل ماله في حياة اللهو والفراغ، وأيام الغربة والجوع السوداء، وأكثر من ذلك، الكرامة المهدورة والإذلال والخجل، وأخيراً الحنين إلى البيت، والعزم على العودة إليه، واستقبال أبيه له، الذي لم ينسَ قط ابنه، لا بل قد احتفظ له بما كان يكنّهُ له من محبة وتقدير غير منقوصين. لذلك كان ينتظر دائماً ذاك الذي يعانقه الآن، ويأمر بإقامة احتفال كبير لعودة ذاك الذي "كان ميتاً فعاش، وضائعاً وضالاً فوجد".

الإنسان – أي إنسان – هو هذا الابن الضال الذي تراوده تجربة الابتعاد عن أبيه ليعيش على هواه، والذي يقع في التجربة ويُخدع بالأباطيل التي تجتذبه كالتراب، ويُلفي نفسه وحده، مسلوب الكرامة، مستَغلاًّ، وفيما هو يسعى إلى إتّباع نمط حياة خاص به، يبرِّح به، وقد انحدر إلى درك الشقاء، شوق العودة إلى أبيه. والله كالأب في المثل، يترقّب عودة ابنه، ويعانقه لدى لقائه إياه، ويولم في مناسبة رجوعه احتفالاً بالمصالحة.

إن أبرز ما في المثل هو هذه الحفاوة الطافحة بالمحبة التي استقبل بها الأب الابن العائد، والتي هي دليل على رحمة الله المستعد أبداً للصفح والغفران. ولنقلها فوراً: إن المصالحة هي قبل كلٍّ، عطيّة الآب السماوي.
 

إلى الأخ الذي مكث في البيت

6- لكن المثل يتحدّث أيضاً عن الابن الأكبر الذي يرفض احتلال مقعده في الوليمة، ويعيب على أخيه الأصغر طيشه، وعلى أبيه حفاوته به، فيما لم يسمح له – على ما يقول – وهو المقتصد، الناشط، البّر بأبيه، والحريص على بيته، بإقامة وليمة لأصدقائه. وهذا دليل على أنه لم يفهم طيبة أبيه. وطالما أن هذا الأخ الشديد الثقة بنفسه، الحسود المتعالي المتشبع مرارة وغضباً، لم يرجع ويصالح أباه وأخاه، فالوليمة ليست، بحصر المعنى، عيد عودة ولقاء.

والإنسان – كل إنسان – هو أيضاً هذا الابن الأكبر، وقد جعلته الأنانية حسوداً، وحجّرت قلبه وأعمته وقطعت عليه مجال العودة إلى الآخرين وإلى الله. وأثارت طيبة الأب حفيظته وأغضبه حلمه، وكان لسعادة الأخ العائد لديه طعم مرارة (21). ولهذا فهو في حاجة أيضاً إلى العودة والاهتداء والمصالحة.

إن مثل الابن الضال هو قبل كل، قصة المحبة الجارفة الفائقة الوصف، محبة الآب – الله – الذي يقدّم لابنه العائد تقدمة المصالحة الكاملة. ولكن هذا المثل، عندما يلمّح، وهو يرسم صورة الابن الأكبر، إلى الأنانية العمياء التي تفرّق بين الأخوين، يصبح أيضاً قصّة العائلة البشرية، وهي تصف الحالة التي تتخبّط فيها وتدل على الطريق الذي يجب أن نسلكه. ويمثل الابن الضال التائق كلّ التوق إلى العودة إلى أحضان أبيه والظفر منه بالمسامحة والغفران، الذين يشعرون في قرارة ضميرهم برغبة ملحّة في المصالحة على جميع المستويات ودونما تحفّظ، وهم على أرسخ ما يكون اليقين أن هذه المصالحة لا تتمّ إلا إذا نبعت من تلك المصالحة الأولى، الأساسية، التي تأتي بالإنسان من بعيد لتعود به إلى الله فينعم بصداقته، صداقة الأبناء، ويعترف برحمته اللامتناهية. ولكن إذا نظرنا إلى هذا المثل نظرة الابن الثاني، نرى أنه يصف حالة العائلة البشرية التي قسّمتها الأنانيّات، ويلقي ضوءاً على ما في التوق إلى تأليف عائلة في مناخ مصالحة ووحدة، من صعوبة، ويذكّر بالتالي بالحاجة الماسّة إلى تغيير القلوب لاكتشاف رحمة الله، والتغلّب على سوء النيّة والعداوة بين الإخوة.

وفي ضوء هذا المثل المليء بالعبر عن الرحمة التي تمحو الخطايا، تلبّي الكنيسة هذا النداء للعمل بمضمونه وتتفهّم، على مثال المسيح، رسالتها الرامية إلى تغيير القلوب ومصالحة الناس مع الله، وهذا أمران مترابطان كل الترابط.

الحواشي:
19)
راجع يوحنا بولس الثاني، رسالة عامة: غني بالرحمة، 4 عدد 5- 6: أعمال الكرسي الرسولي 72، (1980) ص 1193- 1199.
20) راجع لو 15 / 11- 32.
21) لقد سبق يونان في العهد القديم أن وصف هذا القسم من المثل. وكانت خطيئة يونان أن "الأمر ساءه مساءة عظيمة وغضب" لأن الله "رؤوف" رحيم طويل الأناة وكثير الرحمة ونادم على الشر" وأنه "أشفق على الخروعة... التي نشأت بنت ليلة ثم هلكت بنت ليلة" ولم يفهم لماذا "رحم الرب نينوى" " راجع يونان 4.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي