|
أُعطيكُم رعَاة
Pastores dabo vobis
47- قمة الصلاة المسيحية هي الإفخارستيا،
وهي بدورها قمة الأسرار وسائر الفروض الليترجية ومعينها. ومن ثمّ
فالتنشئة الليترجية، بمعناها الأكمل، أي بصفتها اندماجاً حيوياً في سرّ
يسوع المسيح الذي مات وقام، والذي لا يزال حاضراً وعاملاً في الكنيسة
بواسطة الأسرار، ضرورة لا بدّ منها لكل مسيحي، ولكل كاهن على الأخص،
لتنشئته الروحية. الاتحاد بالله، محور الحياة الروحية كلها، هو عطيّة
الأسرار وثمرتها. وهو، في الوقت نفسه، واجب ومسؤولية تنبعان من
الأسرار، وتفيضان على حريّة المؤمن ليتّخذ القرارات والخيارات والمواقف
والأعمال التي تمليها الحياة اليومية. في هذا المعنى، يتّضح أن
"النعمة" التي "تُجدّد" الحياة المسيحية هي نعمة يسوع المسيح الذي مات
وقام والذي لا يزال يفيض علينا، بالأسرار، روحه القدوس والمقدّس، كما
يتّضح لنا أيضاً أن "الشريعة الجديدة" التي يجب أن تهدي حياة المسيحي
وتنظّمها، محفورة في "القلب الجديد" بواسطة الأسرار. إنها شريعة
المحبة، محبّة الله ومحبّة الأخوة، باعتبارها جواباً وامتدادا للمحبة
التي يفيضها الله على الإنسان بواسطة الأسرار. هكذا يستطيع الكاهن أن
يدرك قيمة اشتراكه في الأسرار "اشتراكاً كاملاً واعياً وفعّالاً"
(142) ليتقبّل ويضع
موضع التنفيذ موهبة "المحبة الراعوية" التي هي جوهر الخدمة الكهنوتية
ولبّها.
هذا يصحّ خصوصاً في الإفخارستيا، ذكرى تضحية المسيح وموته وقيامته
المجيدة، "سرّ التقوى وعلامة الوحدة ورباط المحبة،
(143)، الوليمة
الفصحية "حيثي يعطى المسيح طعاماً، وتمتلئ النفس نعمة، ويوهب المجد
الآتي (144). ومن
الثابت أن الكهنة، باعتبارهم خدمة القدسيّات، هم أولاً خدمة ذبيحة
القداس (145). لهم
فيها دور علا غناء عنه: لأنه، بدون كاهن، ليس من ذبيحة إفخارستية.
وفي هذا دليل أهمية الإفخارستيا ودورها الجوهري في حياة الكاهن وخدمته،
وبالتالي في حياة المرشّحين للكهنوت وتنشئتهم الروحية. وإني، بكل
بساطة، وتوخيّاً للوضوح، أكرر القول: "يجدر بالاكليريكيين أن يشتركوا
يومياً في الذبيحة الليترجية لكي يتّخذوا من هذا الاحتفال اليوميّ
قاعدةً لحياتهم الكهنوتية. وليعلّموا أن يحسبوا الاحتفال بالإفخارستيا
قمّة نهارهم، فيشتركوا فيه اشتراكاً فاعلاً ولا يكتفوا بأن يحضروه
حضوراً "آلياً". وعلى المرشحين للكهنوت أخيراً أن يكتسبوا الفضائل
المستوحاة من الإفخارستيا: الشكر: فيشكروا لله أولاً أفضاله عليهم، لأن
الإفخارستيا هي، قبل كل شيء، فعل امتنان لما يفيضه الله عليهم من فوق؛
ثم الاستعداد لأن يقدّموا ذواتهم بالاتحاد مع قربان يسوع الإفخارستيّ؛
ثم المحبّة المستمدّة من سرّ القربان علامة الوحدة حقاً في القربان"
(146).
هذه التنشئة الروحية تفترض الدعوة الملحّة إلى التنويه بروعة سرّ
التوبة وما يوليه من فرح عميق. فثقافتنا اليوم، بما تحمله من أشكال
حديثة ومريبة لتبرير الذات، باتت تهدد، لدى الناس، "شعورهم بالخطيئة،
وبالتالي، فرحهم وتعزيتهم بطلب الغفران (را مز 50 / 14)، والمثول أمام
الله الغنيّ بالرحمات (اف 2 / 4). ومن ثمّ، فلا بد لكهنة الغد من أن
يتربّوا على فضيلة التوبة التي تسعى الكنيسة، بوحي حكمتها، إلى
المناداة بها في مختلف حفلات السنة الليترجية، والتي تبلغ ذروتها في
سرّ المصالحة. من هنا ينبع معنى التروّض والجهاد الروحي وروح التضحية
والتجرّد، وقبول الألم والصليب. مقومات الحياة الروحية هذه يصحبها
غالباً مصاعب جمّة لكثير من المرشحين للكهنوت، ممن ترعرعوا في ظروف
حياتية رغيدة، وأمسوا، من جراء ذلك، أقلّ ارتياحاً لهذه القيم وأكثر
انسياقاً للأحلام والأوهام التي تدعو إليها الوسائل الإعلامية، حتى في
البلاد التي تشكو من ظروف حياتية هشّة وأوضاع قشفة حتى للشباب أنفسهم..
من هنا نداء الآباء السينودسيين إلى التمثّل بالمسيح الراعي الصالح في
تحقيق ما يترتب على الكاهن من واجب بذل الذات بذلاً مطلقاً: "لا بدّ من
تلقين معنى الصليب الناشب في صميم السرّ الفصحي. فإذا تمّ هذا التماهي
مع المسيح المصلوب، مع المسيح الخادم، أصبح بإمكان العالم أن يستعيد
قيمة التقشّف والألم وحتى الاستشهاد، وسط حضارة معاصرة مشبعة بروح
الالحاد والجشع والمُتعيَّة"
(147).
48- التنشئة
الروحية تعلّمنا أيضاً أن نجد المسيح في الآخرين. الحياة الروحية حياة،
ولا شك، باطنة، حياة أُلفة مع الله، حياة صلاة ومشاهدة. بيد أن لقاءنا
الله ومحبته الأبوية لجميع الناس يجرّ علينا مقتضى آخر لا محيد عنه،
وهو لقاءنا القريب وبذل ذاتنا في سبيله، في خدمة متواضعة نزيهة، وضعها
يسوع للجميع برنامج حياة، لمّا غسل أرجل تلاميذه: "لقد جعلت لكم من
نفسي قدوة لتصنعوا أنتم أيضاً ما صنعت إليكم" (يو 13 / 15).
التنشئة على بذل الذات بذلاً سخياً ومجانياً، تعزّزها الحياة الجماعية
المفروضة عادة في فترة الإعداد للكهنوت، هي شرط أساسي على كل من دعي
إلى أن تنعكس وتتجلّى فيه صورة الراعي الصالح معطي الحياة (را يو 10 /
11 – 15). من هذا الملحظ، يجب أن تساهم التنشئة الروحية في إنماء ما
تنطوي عليه من مقتضى باطن، على صعيد الرعاية والمحبة الخادمة. ويساعد
في ذلك، على حدّ ما أكّده الآباء السينودسيون، توجّه تقوي. إلى قلب
المسيح، يتوازن عمقاً وحناناً: "تنشئة كهنة الغد في روحانية التوجّه
التقوي إلى قلب الرب، يمكن أن تقودهم إلى أن يعيشوا عيشة يمليها حبّ
المسيح وحنانه، حبّ الكاهن والراعي الصالح، حبّ المسيح لأبيه في الروح
القدس، وحبّه للبشر إلى حدّ بذل ذاته ضحية لهم"
(148).
الكاهن هو إذن رجل المحبة: وهو مدعوّ إلى أن يعلّم الآخرين أن يقتدوا
بالمسيح، ويعيشوا الوصية الجديدة، وصية المحبة الأخوية (را يو 15 /
12). وهذا يُلزمه الاستسلام دوماً لعمل الروح القدس، يثقفّه ويربيّه
على محبة المسيح. من هنا أن التأهب للكهنوت يستدعي بالضرورة تنشئة
متينة على المحبة، ولا سيما محبة "الفقراء" الذين يكشف لنا الإيمان
حضور المسيح فيهم وحبّه الشفوق للخطأة (را متى 25 / 40).
في ضوء هذه المحبة، القائمة على بذل الذات حبّاً، يجب أن نفسح مجالاً،
في إطار التنشئة الروحية لكاهن الغد، لتثقيفه على الطاعة والبتولية
والفقر (149). في
هذا الاتجاه نفسه يتّجه نداء المجمع أيضاً: "ليعلم الطلاب بوضوح أنهم
غير معدّين للسلطة ولا للمجد، بل ليكونوا بمجمل كيانهم في خدمة الله
والعمل الراعوي. ويجب الاهتمام الخاص لتنمية روح الطاعة الكهنوتية
فيهم، وتذوّق حياة الفقر، وروح الكفران بالذات، بحيث يتعودون الاعتزال
السريع للأمور المباحة إذا كانت غير ضرورية، ويُجرون حياتهم على نموذج
يسوع المصلوب" (150).
49- في التنشئة
الروحية للمدعو إلى حياة العزوبة تجب العناية، بوجه خاص، بإعداد كاهن
الغد لأن يعرف البتولية ويقدرّها ويحبّها ويعيشها بحسب طبيعتها
الحقيقية وأهدافها الحقيقية، وإذن بحسب أهدافها الإنجيلية والروحية
والراعوية. هذا الإعداد يفترض شرطاً "ومحتوى"، وهو فضيلة العفّة التي
تحدّد كل العلاقات البشرية، وتقود الإنسان إلى أن "يختبر ويبدي...
حبّاً خالصاً، بشرياً، أخوياً، شخصياً وقادراً على التضحية، على غرار
المسيح، في سبيل الكل وكل فرد
(151).
بتولية الكهنة تضفي على العفة ميّزات تمكّنهم من "الصدوف عن الحياة
الزوجية لأجل ملكوت السماوات" (را متى 19 / 12)، والالتصاق بالرب بحبٍ
غير منازع، يلائم العهد الجديد ملاءمة وثيقة، ويشهد للقيامة في الحياة
الآتية (را لو 20 / 36)، ويساعدهم مساعدة وجيهة ودائمة في ممارسة تلك
المحبة الكاملة التي تتيح لهم أن يكونوا كلاً للكلّ في الخدمة
الكهنوتية" (152).
ومن ثم، يجب ألاّ نحسب العزوبة الكهنوتية مجرّد قاعدةٍ قانونية أو شرطٍ
خارجي لقبول الرسامة الكهنوتية. بل هي قيمة وثيقة الصلة بالكهنوت. فهي
تصوّر الإنسان بصورة يسوع المسيح الراعي الصالح وعريس الكنيسة، وتمكّنه
من اختيار حبّ أعظم وغير منازع للمسيح ولكنيسته، والتفرّغ الكامل، في
الفرح، للخدمة الراعوية. ويجب أن نعدّ البتولية نعمةً خاصةً وعطيةً لا
يستطيع الناس كلهم أن يفهموها بل الذين أُنعم عليهم بذلك فقط (را متى
19 / 11). هذه النعمة تفرض فرضاً جازماً على من ينالها جواباً واعياً
وحراً. ولكنَّ هذه الموهبة من الروح القدس تولي أيضاً صاحبها نعمة
الأمانة مدى الحياة والتفرغ بسخاء وفرح للواجبات المنوطة بها. في
التنشئة على العزوبة الكهنوتية، يجب أن يرسخ في الذهن رسوخاً عميقاً
وعي هذه "النعمة السنية" التي يجود بها الله
(153) فيفضي ذلك
إلى الصلاة والسهر لتظلّ هذه العطية بمنجاة من كل ما يمكن أن يهددها.
الكاهن البتول بإمكانه أن ينقطع كليّاً لخدمة شعب الله، ويستطيع، بوجه
خاص، إذا أدّى الشهادة لقيمة العفّة الإنجيلية، أن يساعد الأزواج
المسيحيين في أن يعيشوا، على وجه أكمل، "السر العظيم"، سرّ حبّ المسيح
العريس لعروسه الكنيسة؛ وبأمانته لبتوليته، يصير قادراً على أن يساند
الأزواج في صون أمانتهم الزوجية
(154).
أهمية هذا الإعداد للبتولية الكهنوتية ودقّته، وبخاصّة في الأحوال
الاجتماعية والثقافية المعاصرة، أهابا بالآباء السينودسيين إلى الإعراب
عن بعض المطالب التي ما برحت أمّنا الكنيسة، في حكمتها، تنادي بها
وتؤيد قيمتها الثابتة. وإني بدوري أعرضها باسم السلطة، لتكون قواعد
متّبعة في إطار التنشئة على العفّة في التبتّل: "على الأساقفة وعلى
رؤساء الاكليريكيات والمرشدين الوحيين فيها أن يعملوا على إرساء مبادئ
وإقامة ضوابط وتوفير مساعدات للتمييز في هذا المجال. عناية الأسقف
والحياة الأخوية بين الكهنة هما من أهم عوامل التنشئة على العفّة في
التبتل. ففي الاكليريكية، أي في غضون فترة التنشئة، يجب أن تُبيَّن
العزوبة بصورة واضحة، بدون أي التباس وبطريقة إيجابية. ويجب على
الإكليريكي أن يملك قدراً كافياً من النضج النفسي والجنسي، وحياةً
مكبّة على الصلاة، وأن يخضع لتوجيهات أب روحي. وعلى الموجّه الروحي أن
يساعد الإكليريكي في التوصل إلى قرار ناضج وحرّ يرتكز على استثمار قيمة
الصداقة الكهنوتية والانضباط الذاتي، من جهة، ومن جهة أخرى، على
التسليم بواقع العزلة، وعلى وضع شخصي سليم، على صعيد البنية الجسدية
والحالة النفسية. وينبغي للإكليريكيين، في هذا المجال، أن يقفوا على
تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني والرسالة العامة في البتولية
الكهنوتية، والرسالة التوجيهية التي أصدرها مجمع التربية الكاثوليكية،
سنة 1974، في التنشئة على البتولية الكهنوتية. فلكي يتمكّن الإكليريكي
من أن يعتنق، بقرار شخصي حرّ، البتولية الكهنوتية، لأجل ملكوت
السماوات، عليه أن يحيط بشؤون الجنس في مفهومه المسيحي والإنساني الحق،
سواء في الزواج أم في التبتّل، وأن يدرك غايته. ومن الضروري أيضاً أن
نحيط العلمانيين علماً وتثقيفاً بالدواعي الإنجيلية والروحية والراعوية
التي تبرّر البتولية الكهنوتية، فيتسنّى لهم مساعدة الكهنة بصداقتهم
وتفهّمهم وتعاونهم"
(155).
الحواشي:
142) الدستور المجمعي
في الليتورجيا،
عدد 14.
143) S. Augustin, In
Iohannes Evangelium Tractatus 26, 13: 1.c. 266
144) Liturgia
Horarum, In festo SS. Corpris Christi, ad II Vesperas antiphona ad
Magnificat.
145) القرار
المجمعي
في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية، عدد 13.
146) صلاة
التبشير (1 / 7 / 1990)، عدد 3، الاوسرفاتوري رومانو 2 – 3 / 7 / 1990.
147) التوصية
23.
148) المرجع
نفسه.
149) المرجع
نفسه.
150) القرار
المجمعي
في التنشئة الكهنوتية، عدد 9.
151) المجمع
المقدس للتربية المسيحية، أسس المعاهد الكهنوتية (6 / 1/ 1970)، ص 354.
152) القرار المجمعي
في التنشئة الكهنوتية، عدد 10.
153)
المرجع
نفسه.
154) رسالة
إلى جميع الكهنة في مناسبة خميس الأسرار 1979: تعاليم 2 / 1 (1979)، ص
841 – 862.
155) التوصية
24.
|