أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   7. لقد قادتنا، بشكلٍ عفوي، هذه التأملات الفلسفية حول جوهرِ الحبِّ، إلى التأمل في إيمانِ الكتاب المقدس. كنا قد بَدأنَا بسُؤالٍ فيما إذا كانت معاني كلمة "محبة" المختلفة، لا بل المتعارضة، تخفي في بنيتها وحدة عميقة، أم أنها تبقى دون ارتباطٍ، واحدةً بِجانب الأخرى. لكن قبل كلِّ شيءٍ، كانت قد طُرحَت المسألة فيما إذا كانت رسالةُ الحبِّ التي أُعلنتْ في الكتاب المقدس وتقليدِ الكنيسةَ، تشترك في بعض النقاط مع التجربةِ الإنسانيةِ المشتركةِ للحبِّ، أَم تُعارضها. هذه المسألة قادَتنا لإعتِبار كلمتين أساسيتينِ: الـ eros كتعبيرٍ يُشير إلى الحبِّ "الدنيويِ" و الـ agape، كتعبيرٍ يُشير إلى الحبِّ المُؤسَّس على الإيمان والذي منهُ يتّخذ شكله. في أغلب الأحيان تُصوَّر هاتان الفكرتان على أنهما متعارضتان، فإحداهما تُعتبر حبَّ "صعودٍ" والأخرى حبَّ "تنازل". هناك تصنيفات أخرى مماثلة، فنميِّز على سبيل المثال  بين الحبِّ التملُّكي والحبِّ المُضحّي (amor concupiscentiae - amor benevolentiae)، إليهما يُضاف أيضاً في بعض الأحيان، الحب الذي يطلبُ منفعتَه الخاصة.

 

   في النِقاشِ الفلسفيِ واللاهوتيِ، قد حصلت غالباً مبالغة في النظرة إلى الفروق بين هذه المعاني إلى حدّ جعلها نقيضة فيما بينها: فقد اعتُبِر الحبّ المسيحي على أنه الحبّ المتنازِل والمُضحّي أي الـ agape؛ أما الثقافة غير المسيحية، وخصوصاً اليونانية، فقد اعتُبرت بأنها تتميّز بالحب الصاعد، الشهواني والتملُّكيّ أي الـ eros. إن سِرنا بنظرية التناقض هذه إلى نهايتِها، لوجدنا أن جوهر المسيحيةِ سَيُفْصَلُ عنْ العلاقاتِ الحيويةِ الأساسيةِ في الوجودِ الإنسانيِ، وتُصبحُ عالَماً على حِدى، ربما جديراً بالإعجابِ، لكنه منفصلٌ بشكل حاسم عن النسيجِ المعقّدِ للحياةِ الإنسانيةِ. في الحقيقة إن الـ eros والـ agape — الحب الصاعد والحبِّ المتنازل — لا يُمْكن فصلهما بالكامل. فكلّما وَجَدَ الإثنان، رغم سماتِهما المختلفةِ، وحدةً صحيحةً في حقيقةِ الحبِّ الواحدة، كلّما تحققت الطبيعةُ الحقيقيةُ للحبِّ بشكلٍ عام. حتى لو أن الـ eros في بادئ الأمر هو طمّاع وصاعد، يسحر بوعده العظيمِ بالسعادةِ، إلا أنه في إقتِرابه من الآخرينِ، يتحول تدريجياً وعلى نحوٍ متزايد مِن الإهتمام بذاته، إلى الإهتمام بسعادةِ الآخرين، يَهتَمُّ بالمحبوبِ، يُضحّي بنفسه ويُريدُ أن "يتواجد لأجل" الآخر. بهذا الشكل يدخل عنصر الـ agape إلى هذا الحبِّ؛ وإن لم يحدث ذلك فالـ eros ينحطّ ويَفْقدُ حتى طبيعتَه الخاصة. من ناحية أخرى، لا يَستطيعُ الإنسان أن يعيش فقط من خلال الحبّ المُضحّي، المتنازل. فهو لا يَستطيعُ أن يمنح دائماً، بل يَجِبُ عليهِ أيضاً أَنْ يَتقبَّل. فمن يرغب في إعْطاء الحبِّ يَجِبُ عليه أيضاً أَنْ يتقبَّل الحبَّ كعطيّة. طبعاً الإنسان يستطيع، كما يُخبرُنا الربّ، أن يُصبحَ ينبوعاً تتدفَّق منهُ أنهار ماءٍ حيِّ (راجع يو 7 / 37 ـ 38). لكن كي يُصبحَ ينبوعاً، عليه أَنْ يَشْربَ دائماً وبشكل متجدِّد مِنْ الينبوع الأولِ والأصليِّ، أي يسوع المسيح، الذي من قلبِهِ المطعونِ يتدفَّق حبُّ الله (راجع يو 19 / 34).

 

لقد رَأى آباء الكنيسةِ في رواية سُلَّمِ يعقوب رموزاً عديدة للإتّصالِ المتلازمِ بين الصُعُود والنزول في الحبِّ، بين الـ eros الذي يبحث عن الله والـ agape الذي يمنح العطية المُقْتَبَلة. في هذا المقطع من الكتاب المقدس نقرأ كَيفَ أن البطريرك يعقوب رَأى في حلمٍ، فوق الصخرة التي كَانَ يستعملها كوسادة، سُلّماً يصل إلى السماءِ، عليه كانت ملائكة الله تَصْعدُ وتَنزل (راجع تك 28 / 12 ؛ يو ا / 51). إن التفسير الذي يعطيه البابا غريغوريوس الكبير لهذا المقطع، في كتاب القاعدة الرعويةِ، لَمؤثرٌ حقاً. فهو يقول بأنّه على الراعي الصالح أن يَكُونَ متجذّراً في التأملِ. فقط بهذه الطريقة َيَكُونُ قادراً لأن يأخذَ على عاتقهِ احتياجاتِ الآخرين ويَجْعلها احتياجاته الخاصة: "برحمة أحشائه يحمل في ذاتهِ ضعف الآخرين" [4]. في هذا السياق يَتكلّمُ القدّيسَ غريغوريوس عن القدّيسِ بولس، الذي خُطِفَ عالياً ليتأمل أسرار الله الأكثر سموّاً، ولِذلك، بَعْدَ أَنْ عادَ مرةً أخرى، كَانَ قادراً على أَنْ يُصبحَ كُلاً للكلِّ (راجع 2 كو 12 / 2 ـ 4 ؛ 1 كو 9 / 22). يُشيرُ أيضاً إلى مثالِ موسى، الذي كان يدخلُ الخيمةَ المقدسةَ مراراً وتكراراً، باقياً في حوارٍ مَع الله، كي يكون عند خروجهِ قادراً بقوَّةِ الله على خدمةِ شعبهِ. "في الداخل [الخيمة] هو يُحْمَلُ عالياً بواسطة التأملِ، في الخارج يترك نفسهُ منهمكاً بهموم المتألمين". [5]

 

ـــــــــــــ

[4] II, 5: SCh 381, 196

[5] نفس المرجع، 198.

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي