|
29. الآن يُمْكِنُنا أَنْ نحدِّدَ
بدقةٍ أكبرَ، العلاقةَ في حياةِ الكنيسةِ، بين الإلتزامِ لأجلِ مجتمعٍ
عادلٍ من جهةٍ، والنشاطِ الخيريّ المُنظَّمِ من جهةٍ أخرى. رَأينَا
بأنّه ليسَ واجباً مباشراً للكنيسةِ تشكيلُ بنى اجتماعية عادِلة، بل هو
أمرٌ متعلّقٌ بالمجالِ السياسي، أي بمجالِ العقلِ المسؤولِ عن ذاته. في
هذا للكنيسةِ واجبٌ غيرُ مباشر، يكمنُ في المُسَاهَمَة في تنقيةَ
العقلِ وفي توعيةِ القوى الأخلاقيةِ والتي بدونها لا يمكن إنشاءُ بنى
اجتماعية عادلة ولا هذه يمكنها أن تَثبُتَ بشكلٍ فعّالٍ على المدى
البعيد.
إنَّ الواجبَ المباشرَ للعَمَلِ من أجلِ مجتمعٍ عادلٍ هو من نصيبِ
المؤمنينَ العِلمانيين. كمواطنينَ في الدولةِ، هم مدعوونَ بشكلٍ شخصيّ
للإشتِراكِ في الحياةِ العامّة. لذا هم لا يَستطيعونَ التخلّي عن
دورهِم في العديد مِنْ المجالات الثقافيةِ والإداريةِ والتشريعيةِ
والإجتماعيةِ والإقتصاديةِ المختلفةِ، الهادفة من خلالا مؤسساتها
للعملِ من أجل الخير العام [21]. مهمّةُ المؤمنين العلمانيين إذاً هي
تشكيلُ الحياةِ الإجتماعيةِ بشكلٍ صحيحٍ، مع احترامِ حكمها الذاتيّ
المشروعَ والتعاونَ مَع المواطنين الآخرينِ طبقاً لواجباتهم الخاصةِ
متممين مسؤولياتهم المحددة [22]. وبالرغمِ من أنه لا يمكنُ الخلطُ بين
أشكالِ المحبةِ الكنسيّة الخاصة ونشاطِ الدولة، يَبْقى أمراً حقيقياً
أنّ المحبةَ يَجِبُ أَنْ تكونَ المُحرّكَ لكاملِ حياةِ المؤمنين
العلمانيين ولذا أيضاً لنشاطِهم السياسيِ، الذي يعيشونه كـ "محبةٍ
إجتماعية" [23].
أمّا منظماتُ الكنيسةِ الخيرية، فتُشكّلُ عملاً خاصاً بالكنيسة، وهي
تقوم بمهمّةٍ موافقةٍ لطبيعتها، فهي في هذا لا تَتعاونُ بشكلٍ موازي،
لكنها تتصرَّفُ كمسؤولةٍ مُباشرة، بعملٍ مُطابقٍ لطبيعتِها. لا يُمكِن
للكنيسة أنْ تُعفى مِنْ مُمَارَسَةِ أعمالِ المحبةِ كنشاطٍ مُنظَّمٍ
للمؤمنين، ومن الناحيةِ الأخرى، لَنْ يَكُونَ هناكَ أبداً وضعٌ يكونُ
فيهِ عملُ محبةِ كُلِّ فردٍ مسيحي غير ضروري، لأن الإنسانَ بالأضافة
إلى العدالةِ هو بحاجةٍ دائمةٍ للحبّ.
ــــــــــــــ
[21] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي، المؤمنون العلمانيون (30 ك1،
1988)، 42: AAS 81 (1989), 472.
[22] راجع Doctrinal Note on Some Questions Regarding the
Participation of Catholics in Political Life (24 November 2002),
1: L'Osservatore Romano, English edition, 22 January 2003, p.
5. مجلس العقيدة والإيمان.
[23] تعليم الكنيسة الكاثوليكية، 1939. |