أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   28. كيما نحدِّد بدقّةٍ أكبر العلاقةَ القائمة بين الإلتزامِ الضروريِ بالعدالةِ وخدمةِ المحبة، يجب أن نعتبر أمرين أساسيين:

   أ) إنَّ نظامَ المجتمعِ العادل والدولةِ هي مسؤوليةُ العملِ السياسي الأساسيّة. فإذا لَمْ تَكُنْ الدولةُ قائمةً على العدالةِ تُصبحُ، كما يقولُ أغسطينوس، مُجرَّد عصبةِ لصوصٍ كبيرة [18]. أنّهُ لأمرٌ أساسيٌّ في المسيحيةِ التمييزُ لما هو لقيصر ولما هو لله (راجع مت 22 / 21). بكلمةٍ أخرى، التمييزُ بين الدولةِ والكنيسة، أَو بحسبِ تعبيرِ المجمع الفاتيكاني الثاني، "إستقلالُ الأشياءِ الزمنية" [19]. فالدولةُ لا تستطيعُ أن تَفْرضُ ديناً معيّناً، مع ذلك عليها أن تضْمنَ حُريةَ ممارستِه والسلامَ بين أتباعِ الأديانِ المختلفةِ. من جهتها، الكنيسةُ، كتعبيرٍ إجتماعيٍّ للإيمانِ المسيحيِ، لها إستقلاليتها وهي تحيا بشكلها الجماعيّ على أساسِ الإيمانِ، أمرٌ يَجِبُ أَنْ تحترمه الدولة. هنا لدينا مَجالين مُتميّزين، لكنهما في نفس الوقت مترابطَين دائماً.

العدالةُ إذاً هي الهدفُ والمعيارُ الجوهريّ لكُلّ عملٍ سياسي. فالسياسةُ ليست مُجرَّد آليَّةٍ لتَعريفِ قواعدِ الحياةِ العامّةِ: بل إنَّ أصلَها وهدفَها يكمنانِ في العدالةِ، وهذهِ العدالة هي ذاتُ طبيعةٍ أخلاقيّة. هكذا يَجِبُ أَنْ تُواجِهَ الدولةُ السؤالَ: كيف يُمكنُ تحقيقَ العدالةِ هنا والآن. لكن هذا السؤالُ يَفترضُ سؤالاً آخرَ أكثرَ جذريّة: ما هي العدالة؟ هذه المشكلةُ متعلّقةٌ بالفكرِ العمليّ؛ لكن كيما نعملَ بشكلٍ صحيحٍ، يجبُ على الفكر أَنْ يُنقّى دائماً، لأن عَماهُ الأخلاقيّ، الناتجُ عن تقديمِ المصالحِ الخاصةِ وحبِّ السُلطة، هو خطرٌ لا يُمكنُ إبعاده بالكامل. 

عند هذهِ النقطة تجتمعُ السياسةُ مع الإيمان. الإيمان له طبيعتُه الخاصةُ في اللقاء مَع الله الحيّ — لقاءٌ يَفْتحُ آفاقاً جديدةً تتجاوزُ حدودَ العقل. لَكنَّه في الوقت نفسِهِ قوةٌ تُنقّي العقل. مِنْ وجهةِ نظرِ الله، يقومُ الإيمانُ بتحريرِ العقلِ مِنْ عَماهُ ويُساعدُه كي يَكُونَ دائماً ذاته بشكلٍ كامل. فالإيمانُ يمكِّنُ العقلَ من أن يقومَ بعملِهِ بشكلٍ أفضل، وأن يميِّزَ بشكلٍ أفضلَ ما هو خاصٌ به. هنا تبرزُ عقيدةُ الكنيسة الكاثوليكية الإجتماعيّة: فالكنيسةُ لَيْسَ لَها أيُّ نيةٍ في التسلُّط على الدولة. ولا حتى تحاولُ أن تفرضَ على أولئك الذين لا يوافقونها إيمانها، طريقةَ تفكيرٍ، وأنماطَ تصرّفٍ مؤسَّسةٍ على الإيمانِ. هدفها ببساطةٍ هو أَنْ تُساعدَ على تَنْقِية العقلِ والمُسَاهَمَةِ كيما يُقبَل ويَتحقَّقَ هنا والآن، كل ما هو صحيح.

تَبني عقيدةُ الكنيسةِ الإجتماعيةِ موضوعَها على أساسِ العقل والشريعةِ الطبيعية، أي على أساسِ كلّ ما يتّفق مع طبيعةِ كُلّ إنسان. والكنيسةُ تعرِفُ بأنّه لَيسَ من مسؤولياتها جَعْلُ هذه العقيدة سائدة في الحياةِ السياسيةِ. تودُّ الكنيسة بالأحرى، أن تُسَاعِدَ في تَشكيل الضمائرِ في الحياةِ السياسيةِ وأن تُساهمَ في خَلقِ بصيرةٍ تنفذُ إلى قلبِ متطلباتِ العدالةِ الأصيلةِ، بالإضافة إلى إستعدادِها للعملِ وَفقاً لذلك، حتى عندما تواجهها المصاعبُ الناتجةُ عن المصالحِ الشخصية. هذا يعني أنَّ بناءَ العدالةِ الإجتماعيّة والمدنيّة، التي تضمن لكُلِّ شخصٍ حقوقَه، هي مهمّةٌ أساسيّةٌ على كلِّ جيلٍ أَنْ يواجهها من جديد. وبما أنّها مهمّةٌ سياسيةٌ، لا يُمكنُها أَنْ تَكُونَ مسؤوليةَ الكنيسةِ بشكلٍ مُباشر. رغم ذلك، وبما أنها أيضاً من أُولى مسؤولياتِ الإنسانيةٌ، تَجِدُ الكنيسةُ نفسَها مُلْزَمة بأن تقدِّم، بواسطةِ تنقيةِ العقلِ والتربية الأخلاقيّة، مُساهمتَها الخاصة كيما تُفهَمَ متطلباتِ العدالةِ وتُنجَزَ على الصعيدِ السياسي.

لا تَستطيعُ الكنيسة ولا يَتوجّب عليها أنْ تَأْخذَ على عاتقها المعركةَ السياسيةَ لتحقيق مجتمعٍ أكثر عدالةً. هي لا تَستطيعُ ولا يَتوجَّبُ عليها أنْ تحلّ مكانَ الدولة. رغم ذلك هي لا تَستطيعُ ولا يتوجَّب عليها أنْ تَبْقى على هامشِ النضال في سبيل العدالةِ. بل يجِبُ عليها أَنْ تَلْعبَ دورَها بواسطة الحجّجِ العقلانيةِ كما يَجِبُ عليها أَنْ تعملَ على إيقاظِ القِوى الروحيّة التي بدونها لا يمكن للعدالةِ، وهي أمرٌ يتطَلَّبُ التضحيةَ أيضاً، السيَاْدَةَ والإزدهار. لا يمكن للكنيسةِ إنجازُ المجتمعِ العادلِ فهذا يقع على عاتق السياسة. رغمَ ذلك فإنَّ ترقيةَ العدالةِ بواسطةِ الجُهودِ الرامية لإنفتاحِ العقلِ والإرادة على متطلبات الخير العامِ لأمرٌ يهمُّ الكنيسة بعمق. 

   ب) إن المحبة — الصدقة — هي لأمرٌ ضروريٌ في كلِّ الأحوال، حتى في أكثرِ المجتمعاتِ عدالةً. فليس هناكَ أيُّ تنظيمٍ دولي يُمْكِنُه أَنْ يُغني عن خدمةِ المحبة. مَنْ يُريدُ إزالةَ المحبّةِ يَستعدُّ لإزالةِ الإنسان في حد ذاته. سيكون هناك دائماً من يَتألَّم ويحتاجُ للتعزيةِ والمساعدة. سيكون هناكَ دائماً من يشعر بالوحدة. سَتَكُونُ هناك دائماً حاجاتٌ ماديّةٌ حيث لا غِنى عن المُساعدةُ من خلال محبّةِ القريب العمليّة [20]. إنَّ الدولةَ التي تُزوّدُ كُلّ شيءٍ، وتأخذُ على عاتقها كُلّ شيءٍ، تصبحُ في النهاية مجرَّد بيروقراطيةٍ عاجزةٍ عن ضمانِ الأمر الأساسي الذي يحتاجه كل شخصٍ متألم: الإهتمام الشخصي المُحِب. نحن لَسنا بِحاجةٍ إلى دولةٍ تُنظّمُ كل شيء وتُسيطرُ على كُلّ شيءِ، بل لدولةٍ تعترف بسخاءٍ وتدعمُ مبدأ التعاضُد والمبادرات الناشئة عن القوى الإجتماعيةِ المختلفةِ التي تتسمُ بالعفويّةِ والقربِ من المحتاجين. الكنيسةُ هي إحدى هذهِ القوى الحيّة: هي حيّةُ بنار الحبِّ التي يضرمها فيها روحُ المسيح. هذا الحبُّ لا يُقدِّمُ للناسِ المساعدةَ الماديةَ فقط، بل راحةً وشفاءً للنفسِ، أمرٌ يتجاوزُ أغلبِ الأحيانِ في ضرورتهِ الدعمَ المادي. فالإدّعاءُ بأنَّ البُنى الإجتماعية العادِلة تُلغي الحاجةَ لأعمالِ المحبةِ يُخفي في ذاتِهِ مفهوماً مادياً للإنسان: الفكرة الخاطئة القائلة بأنّ الإنسان يحيا "بالخبزِ لوحده" (مت 4 / 4؛ راجع تث 8 / 3). إنها لقناعةٌ مُذِلَّةٌ للإنسان متجاهلةٌ لكلِّ ما هو خاصٌ بهِ.

ــــــــــــــ
[18]
IV, 4: CCL 47, 102. مدينة الله.
[19] راجع دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم "فرح ورجاء"، 36.
[20]
Congregation for Bishops, Directory for the Pastoral Ministry of Bishops Apostolorum Successores (22 February 2004), 197, Vatican City 2004, p. 217.

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي