أطلب نسخة للطباعة

      

 دستور عقائدي في الكنيسة                                                                     Lumen Gentium
 

إشتراك العَلمانيين في الكهنوت العام والعبادة

-34- إن يسوع المسيح، الكاهن السامي والأزلي، إذ أراد أن تدوم شهادته وخدمته بواسطة العَلمانيين أحياهم بروحه ودفعهم دفعاً متواصلاً ليُحققوا كلَّ عمل خير وكامل. فالذين يضمُّهم ضمّاً حميماً إلى حياته ورسالته، يمنحهم أيضاً قِسماً من وظيفته الكهنوتية لممارسةِ العبادةِ الروحية لمجد الله وخلاص البشر. لهذا فالعَلمانيون، بما أنَّهم مُكرسون للمسيح ومُسِحوا بالروح القدس، قد قبلوا الدعوةَ العجيبة والوسائل كي يُثمروا ثمارَ الروحِ بوفرةٍ وإستمرار. وعليه إذا كمَّلوا في الروح كلَّ أعمالهم وصلواتهم ومشاريعهم الرسولية، وحياتهم الزوجية والعائلية، وأشغالهم اليومية والراحة الروحية والجسدية وحتى صعوبات حياتهم إذا ما إحتُملت بصبرٍ، كل هذا يغدو "قرابين روحية، مرضية لله بيسوع المسيح” (1 بط 2 / 5)، هذه القرابين التي تُقدم للآب بمنتهى التقوى في الإحتفال بالإفخارستيا مع تقدمة جسدِ الربِّ. وهكذا يُكرِّسُ العَلمانيون العالمَ كلَّه، إذ يعبدون الله في كلِّ مكانٍ ويعملون في القداسة.

إشتراك العَلمانيين في وظيفة المسيح النبوية وفي الشهادة

-35- إنَّ المسيحَ النبيَّ الكبير الذي أعلنَ ملكوت الآب بشهادةِ حياته وقوَّةِ كلمته، يقومُ بوظيفته النبويّة حتى الظهور الكامل لمجده، ليس بالسُلطَةِ التي تُعلِّمُ بإسمه وسُلطانه وحسب، ولكن بالعَلمانيين أيضاً الذين أقامهم شهوداً وسلَّحهم بحسِّ الإيمان  ونعمة الكلمة (راجع أع 2 / 17 - 18؛ رؤ 19 / 10) حتى تتلألأ قوةُ الإنجيل من خلال حياتهم اليومية والعائلية والإجتماعية. إنهم يَظهرون كأبناءِ الوعدِ إذا ما افتَدَوا الوقتَ الحاضر، بثباتِهم في الإيمان والرجاء (راجع أف 5 / 16 كول 4 / 5) وإذا ما إنتظروا بصبرٍ المجدَ الآتي ( راجع رو 8 / 25). وعليهم ألا يُخبِّئوا هذا الرجاء في الخفي من قلوبهم، بل بالأحرى عليهم أن يُظهروه أيضاً في أوضاع الحياة العالمية بجهدهم المتواصل لأجل التوبة وبمحاربتهم "ضد ولاة عالم الظلمة هذا أو ضد الأرواح الشريرة" (أف 6 / 12). وكما أن أسرارَ العهد الجديد التي منها تتغذى حياة المؤمنين ورسالتهم، ترمز إلى السماءِ الجديدة والأرض الجديدة، (راجع رؤ 21 / 1) هكذا يغدو العَلمانيون مُبشري الإيمان الأشداء بالمرجوات (عب 11 / 1) إذا جمعوا، دون تردّد، إلى حياة يُنعشها الإيمان الإعتراف بالإيمان عينه. وهذا التبشير، أعني حَمْلَ هذه البشارة بالمسيح بشهادةِ الحياة والكلمة، يرتدي علامةً مميَّزةً وفاعليَّة خاصةً بحيث أنه يتم في أوضاع العالم العادية. في هذه المهمّة يظهر سموُّ تلك الحالة التي يقدسها سرٌّ خاص أي حالة الحياة الزوجية والعائليّة. فيها يُمارس العَلمانيون رسالتهم ويجدون رسالةً فريدةً، حيث تَدخُل الديانة المسيحية حتى الصميمِ في نظامِ الحياةِ وتبدِّله كلَّ يومٍ تبديلاً متزايداً. هنا يَجِدُ الزوجان دعوتهما الخاصة: فيكونان لبعضهما البعض ولأولادهما شهوداً لإيمانِ المسيح ومحبته. فالعائلة المسيحية تُعلن عالياً فضائلَ ملكوت الله الحالية ورجاءَ الحياة السعيدة. وهكذا بمِثالها وشهادتها تُبَكِّتُ العالم على الخطيئة وتنير من يُفتِّشُ عن الحقيقة. وعليه، إنَّه لمِن واجب العَلمانيين وبإمكانهم أيضاً من خلال مشاغلهم وإهتماماتهم الزمنية، أن يُمارسوا عملاً قيماً في تبشير العالم. إذا كان البعضُ منهم وكلٌّ حسب إمكانياته، يقومون بوظائف مقدسة في حال عدم وجود الخُدَّام المكرَّسين وعندما يتعذَّرُ على هؤلاء القيام في سبيل العمل الرسولي، فعلى الجميع يقع واجب الإسهام في نشرِ ملكوت المسيح وتقدُّمه في العالم. لهذا على العَلمانيين أن يتعمقوا تعمقاً متزايداً وسريعاً في معرفة الحقيقة الموحاة، طالبين من الله بالحاحٍ هبةَ الحكمة.

إشتراك العَلمانيين في الخدمة الملوكية

-36- إنَّ المسيحَ الذي أطاعَ حتى الموت ولهذا رفعه الآب (راجع فيل 2 / 8 - 9) دَخَلَ في مجدِ ملكوته. إليه أُخْضِعَ كل شيء إلى أن يَخْضَعَ هو نفسه إلى أبيه مع الخليقةِ كلّها ليكون الله كُلاً في الكل (راجع 1 كور 15 / 27 - 28) قد سلَّمَ هذه السلطة إلى تلاميذه ليَنعَموا هم أيضاً بالحرّية الملكية، ويَستأصلوا سلطانَ الخطيئة منهم، بالكفر بالذات وبقداسةِ الحياة (راجع رو 6 / 12) حتى إذا ما خدموا المسيح أيضاً في الآخرين يقودون بالتواضع والصبر إخوانهم إلى الملك الذي خُدّامه هم ملوك. فالربّ يَروم أن ينشر ملكوته أيضاً بمساعدةِ عَلمانيين مؤمنين أي ملكوتَ حقيقةٍ وحياة، ملكوتَ قداسةٍ ونعمة، ملكوتَ عدالةٍ ومحبةٍ وسلام (115)، ملكوت حيث تحرر الخليقة من عبوديةِ الفساد إلى حرية مجد أبناء الله (راجع رو 8 / 21). عظيمٌ حقاً هو الوعد وعظيمة ٌ الوصية التي أعطاها إلى تلاميذه: "كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح لله" (1كور 3 / 23). فعلى المؤمنين إذاً أن يفقهوا أنَّ جوهر الخليقة كلها، في عمقها وقيمتها وغايتها، إنما هو مجدُ الله. عليهم من خلال أعمالهم الزمنية أيضاً أن يُساعدوا بعضهم بعضاً لأجل حياةٍ أكثر قداسة حتى يرتوي العالم من روحِ المسيحِ ويبلغَ بفاعليةٍ أقوى غايته إلى العدالة والمحبة والسلام.

ويحتل العَلمانيون المحل الأهم في التتميم الشامل لهذا الواجب. وليجتهدوا بكل قواهم، بما لهم من كفاءةٍ في الفنون الدنيوية وبأعمالهم التي ترفعها من الداخل نعمة المسيح، في أن تستثمر الخيور توزيعاً عادلاً بين البشر ولتُقَدْ حسب طبيعتها، إلى تقدُّمٍ شاملٍ في الحريةِ الإنسانية والمسيحية. وهكذا عَبْرَ أعضاءِ الكنيسة، يُنير المسيح بنوره الخلاصي المجتمعَ الإنساني بأسره أكثر فأكثر. علاوةً على ذلك، إذا ما دَفَعَتْ مؤسسات العالم وأوضاعه بالأخلاقِ إلى الخطيئة، فليُوحِّد العَلمانيون جهودهم ليصحِّحوها حتى تصبحَ كلّها مطابقة لمبادىء العدلِ وتشجيع ممارسة الفضائل بدل أن تكون عائقاً دونها. وإذا ما عملوا هكذا، فإنهم يروون الثقافة والأعمال الإنسانية بقيمة أخلاقية. بهذه الطريقة أيضاً يُصبح حقلُ العالمِ أكثرَ تهيئةً لِيَقبَلَ زرعَ كلمةِ الله ،وتُشرَّعُ أبوابُ الكنيسة واسعةً لتدخل بها بشرى السلام إلى العالم. وتمشياً مع التدبير الخلاصي بالذات، ليتعلم المؤمنون أن يُميزوا بتدقيقٍ ما لهم من حقوقٍ وما عليهم من واجبات، بصفتهم أعضاء في الكنيسةِ وفي المجتمع البشري. وليجتهدوا في أن يوفِّقوا ويناغموا بين هذه وتلك، ذاكرين أن على الضمير المسيحي أن يقودهم في كلّ المجالات الزمنية، لأنه ما من نشاطٍ بشريٍّ، حتى في الأمور الزمنية، بإمكانه أن يُستثنى من سلطة الله. وفي أيامنا الحاضرة، إنه لمن الضروري جداً، أن يتلألأ تلألأً وضَّاحاً في تصرف المؤمنين، هذا التميُّز وهذا التناغم أيضاً حتى تتمكن رسالة الكنيسة من أن تتجاوب تجاوباً أكمل مع ظروفِ العالمِ الحالي الخاصة. وكما يجب الإعتراف للمدينة الأرضية، المنصرفة شرعاً إلى مهامٍ دنيوية، أن تسيرَ على مبادىءَ خاصّة، كذلك تُنبَذُ بكلِّ صوابٍ النظريةَ المشؤومةَ التي تسعى إلى بناء المجتمع دون أي إعتبار للديانة والتي تحارب حرِّية المواطنين الدينية لتلاشيها (116).

العلاقة بالسُلطة
-37- يحق للعَلمانيين، كما لكلِّ المسيحيين، أن يَنالوا بغزارةٍ من الرعاة المكرسين الخيور التي تأتي من كنوز الكنيسة الروحية وخاصة عون كلمة الله والأسرار (117). ويحقُّ لهم أن يُفاتحوا هؤلاء الرعاة بحاجاتهم وأمانيهم، بكل الحرية والثقة التي تليق بأبناء الله وإخوة المسيح، على قدرِ علمهم وكفاآتهم ومراكزهم (118)، بل من واجبهم أن يُبدوا رأيهم في ما يتعلق بخيرِ الكنيسة. والأفضل أن يكون هذا، إذا إقتضى الأمر، بواسطةِ المؤسسات التي وضعتها الكنيسة لهذه الغاية، وذلك دوماً بالصراحة والشجاعة وفطنة مقرونة بالإحترام والمحبة، التي تجب علينا نحو من يقومون مقامَ المسيح، بِحكْمِ وظيفتهم المقدسة.

على العَلمانيين، أُسوةً بسائر المؤمنين، أن يعتنقوا بسرعةٍ وبطاعةٍ مسيحية ما يُقرُّه الرعاة المكرسون، ممثلو المسيح، بصفتهم معلمين وذوي السلطة في الكنيسة، وفي هذا يحذون حذو المسيح الذي، بطاعته حتى الموت، فتح للناس كلهم طريق حرِّية أبناء الله السعيدة. ولا يُهملون أن يَضرعوا إلى الله عن رؤسائهم الذين يَسهرون دوماً كأناسٍ سيؤدون الحساب عن نفوسنا، وليفعلوا ذلك بالفرح لا بالكآبة. (راجع عب 13 / 17).

على الرعاة المكرسين، من جهتهم، أن يفقهوا كرامةَ العَلمانيين ومسؤوليتهم في الكنيسة ويشجعوها. وليأخذوا عن رضى
بآرائهم الفَطِنَة، ويكلِّفوهم بثقةٍ بمهماتٍ في خدمة الكنيسة، تاركين لهم حرِّية العملِ ومجاله. وليشجّعوهم في أن يُبادروا من تلقاء أنفسهم إلى العمل. وليعيروا في المسيحِ بمحبةٍ أبويةٍ إهتماماً للمبادرات والتمنيات والرغبات التي يقدمها العَلمانيون (119). وليحترموا الحرية العادلة ويعترفوا بها، تلك الحرية التي هي مِن حقِّ الكل في المدينة الأرضية. وإنه ليُنْتَظَرُ للكنيسة من هذا التعامل الودي بين العَلمانيين والرعاة كل أنواع الخيور: فبهذا يتقوّى العَلمانيون في تحسُّسِ مسؤوليتهم الذاتية، وتتغذى غيرتهم ويسهل ضمّ قواهم إلى عمل الرعاة. وهكذا بمساعدة العَلمانيين وخبرتهم يتوصل الرعاة إلى أن يحكموا بتمييز أقوى، وبصوابٍ أشدّ في الأمور الروحية والدنيوية على السواء. فتتوصل الكنيسة جمعاء، مدعومة بكل أعضائها، إلى أن تتمم بأكثر فاعليةٍ رسالتها لأجل حياة العالم.

خاتمة

-38- على كل عَلمانيٍّ أن يكونَ أمامَ العالمِ شاهداً لقيامة الرب يسوع وحياتِهِ وعلامةَ الله الحي. وعلى جميع العَلمانيين أيضاً، وكلٌّ منهم على قدر طاقته، أن يُغذوا العالم من الثمار الروحية (راجع غلا 5 / 22) وأن يَبثوا فيه هذا الروح الذي ينعش الفقراء والودعاء وفاعلي السلام الذين طوَّبَهم الرب في الإنجيل (راجع مت 5 / 3 – 9) وبكلمةٍ "ليكن العَلمانيون في العالم بمنزلة الروحِ من الجسد" (120).

ــــــــــــــ

115- مقدمة القداس في عيد المسيح الملك.

116- راجع لاون الثالث عشر: رسالة عامة "الخالدة، الخاصة بالله" 1 تشرين الثاني 1885: أعمال الكرسي الرسولي 18 (1885) ص 166 وتابع، وأيضاً رسالة عامة "الحكمة المسيحية"، 10 كانون الثاني: أعمال الكرسي الرسولي 2 (1889 – 1890) ص 397 – بيوس الثاني عشر، خطاب "إلى بنوتكم" في 23 آذار 1958: أعمال الكرسي الرسولي 50 (1958) ص 220 "علمانية الدولة الشرعية".

117- القانون الكنسي رقم 682.

118- راجع بيوس الثاني عشر، خطاب "من أي تعزية" في المكان المذكور آنفاً: ص 789: "في المعارك الحاسمة تأتي بعض الأحيان من جبهة القتال أعمال تلقائية ناجحة جداً"، وأيضاً خطاب عن اهمية الصحافة الكاثوليكية، في 17 شباط 1950: أعمال الكرسي الرسولي 42 (1950) ص 256.

119- راجع 1 تسا 5 / 19؛ 1 يو 4 / 1.

120- رسالة إلى ديونيوتوس 6: طبعة فونك الجزء الأول ص 400 راجع القديس يوحنا فم الذهب عظة في متى 46 (47) 2: آباء الكنيسة اليونانية 478: الخمير في العجين.

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي