أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

المجمع الفاتيكاني الثاني

فرح ورجاء

 Gaudium et spes

دستور رعائي في "الكنيسة في عالم اليوم"
 

- مقدمة عامة -

أحرز المجمع تقدّماً كبيراً في الحوار، ولا سيّما بعد إقراره الوثيقتين: "الحرية الدينية" و "علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية"، لكن الدستور الراعوي "الكنيسة في عالم اليوم" جاء ليثبّت دعائم الانفتاح الشامل الذي حققه هذا التقدّم في الحوار.

عُرِف هذا الدستورُ بالمشروع الثالث عشر، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدستور العقائدي "الكنيسة"، واستند إليه في توجيه رسالةِ الكنيسة الأساسية وفي تجديد خياراتها الراعوية في العالم المعاصر. لأن هذا العالم طرح على الكنيسة قبل المجمع مجموعةً من الأسئلة، أبَتْ هي الاعتراف بها وإحاطتها بالأهمية، فوجدت نفسها أمام عالم مختلف وحقيقة جديدة: ممّا يعني خروجه من فلكها الذي دار فيه أثناء القرون الوسطى، حتى أنه استولى على المؤسسات التي انفردت طويلاً بحيازتها كالمستشفيات ودُور التعليم والتربية، وبيوت العجزة، والمياتم... استقلّ العالم عن الكنيسة في جوّ التصادم والنفور، وذلك بتأثير من الإلحاد وانعكاساته، فكان لا بدّ من خلق الحوار بينهما لإزالة التباعد وإحلال التعاون البنّاء الذي يهدف قبل كل شيء إلى الحفاظ على كرامة الكائن البشري وتقدمه فيتطلّب هذا الهدف الاطّلاع عن كثب على أوضاع العالم الذي تعيش فيه الكنيسة، وعلى التفاعل معها بإيجابية وصدق.

كانت غاية المجمع الأساسية تجديد الكنيسة لتتلاءم والعصر، فلمّا غاب هذا التوجّه عن المشاريع الأولى التي أعدّتها لجانُ الصياغة، ارتفعت أصوات الآباء الملتئمين في الدورة الأولى مطالبة ً به. فوُلِد المشروعُ الأول لهذه الوثيقة في 25 أيار 1963 تحت عنوان: "في عمل الكنيسة ومبادئها للحثّ على خير المجتمع". ولم يحظَ بموافقة الآباء الذين أحالوه على لجنةٍ فرعية، عُرِض نصُّها الجديد في أعمال الدورة الثالثة، ولم تُوفّق بالنجاح، واستمرّ العمل في هذا المشروع. أمّا النص الأخير الذي نُوقِش في الدورة الرابعة، فتمّ الاقتراع عليه فصلاً فصلاً، حتى فاز بالموافقة عليه في الاقتراع النهائي، في السابع من كانون الأول 1965.

يحتلّ هذا الدستور مكانةً رفيعة بين الوثائق المجمعيّة، تجلّت في إعلان التماسك الوثيق بين الكنيسة والأسرة البشرية كلّها، وفي بدء الحوار مع العالم المعاصر برؤيةٍ جديدة تعترف باستقلال الشؤون الأرضية عن الكنيسة (الرقم 36)، وبأهمية القيم الصالحة التي تقود العالم نحو التقدّم والتطوّر كالعلم والتقنية. فنتج عن هذه الرؤية إقرارُ الكنيسة بأخطائها السالفة، وقبول بالعون الذي تتلقاه من عالم اليوم (الرقم 44)، وتطلّع إلى حزن أبناء هذا الزمان وضيقتهم وتساؤلاتهم.

انتقلت هذه الوثيقة في مرحلة تالية إلى الإفصاح عن سبب الفوضى الأساسية والخلل اللذين يسودانِ عالم اليوم، هذا السبب المتجسّد في الخطيئة وترسّباتها، موضحة أنه لا يمكن الإنسان مهما بلغ مدى تطوره، الاستغناء عن ارتباطه العميق بالخالق، إذ لا بدّ أن يقوده التقدّم في منحاه الصحيح إلى الخضوع بتواضعٍ سحيق لحقيقة الخَلْق وما ينتج منها.

في نظرةٍ موضوعية تخلو من المُوارَبة، واجه المجمع عبر الدستور الراعوي "الكنيسة في عالم اليوم" الإلحاد المعاصر، هذه الظاهرة التي لم تتوانَ منذ حوالي قرن عن الامتداد وبسط سلطتها، فوجد أنها ليست وليدةَ الصدفة، لأن جذورها متّصلة بجذور التقدّم التقني، وبتصلّب الكنيسة في بعض مواقفها، وبنقصٍ في الشهادة المسيحية، ملقياً على كاهل المسيحيين المسؤولية المنوطة بهم. اختتم الآباء بحثهم حول هذه الظاهرة، برفضهم الإلحاد في كلّ أشكاله، وبدعوة المُلْحدين إلى مطالعة الإنجيل المقدس بقلبٍ مفتوح، وإلى السعي الدؤوب لمعرفة الله معرفة صحيحة تكون الدواء الناجع.

في القسم الثاني من هذه الوثيقة تطرّق المجمع إلى قضايا مهمّة فشدّد على كرامة الزواج والأسرة، وعلى الصّلات القائمة بين الإنجيل والثقافة الإنسانية، وعلى موقف الكنيسة من شتّى شؤون الحياة الاجتماعية، ولا سيّما مبدأ الملكية الخاصة، وضرورة توزيع خيراتِ الدنيا توزيعاً عادلاً. ولم يفت الآباء تبيان ما للمسيحيين من دورٍ فعّال في الشؤون السياسية، دون أن يكون للكنيسة فيها أيّ مطمع أو تدخل رسمي مباشر، إذ تبغي فقط خلاص الإنسان والدفاع عن حقوقه المشروعة، فحدا هذا الأمر بالآباء إلى توجيه نداء صريح لتجنّب كل أنواع الحروب والعمل بشتّى الوسائل على إحلال السلام الشامل والثابت المبني على العدالة والمحبة.

لا يقتصر جديد هذه الوثيقة على تقديم مفهوم لاهوتيّ يتعرّض لسائر الشؤون الأرضية، ولا على إنشاء أنتروبولوجيا يلتقي فيها الطبيعي والفائق الطبيعة معاً على الرغم من تمايزها، بل يتعدّى ذلك إلى إعلان لاهوت التجسّد والفداء في نظرة اسخطولوجيّة شاملة، لأن العالم غير قادر على إيجاد المعنى الكامل لوجوده في ذاته، بل في من يسمو فوق كل خليقة.

 



 

الصفحة الرئيسية

إلى الدستور