دستور
رعائي في الكنيسة في عالم اليوم
Gaudium et spes
المساعدة التي تسعى الكنيسة لتقديمها لنشاط
الإنسان بواسطة المسيحيين
4343
-43- إن المجمع يحض المسيحيين، مواطنيّ
كلتا المدينتين، على أن يتمموا مهامهم
الأرضية بغيرةٍ
وأمانة، مسترشدين بروح الإنجيل، وإنه لَيبتعد
عن الحقيقة أولئك الذين، لعلمهم أن ليس لنا هنا مدينة باقية بل نسير
نحو المدينة المستقبلة (92)، يظنون أنهم يستطيعون مع ذلك إهمال المهام
البشرية، جاهلين أن الإيمان نفسه يفرضها كواجب ملحّ
عليهم، وفقاً لدعوة كل واحد (93). بالعكس ليس بأقلَّ
خطأ أولئك الذين يعتقدون أن باستطاعتهم
أن يتكرسوا تماماً للنشاطات الأرضية، ويعملوا كأنها غريبةً
تماماً عن حياتهم الدينية، حاصرين هذه الحياة الدينية بتمارين العبادة
وببعض الإلتزامات الأدبية المحددة. إن هذا الإنفصام بين الإيمان الذي
ينتسبون إليه، وبين تصرفات الكثيرين اليومية، ليُحسب من الأخطار الأشد
جسامة في عصرنا.
ولقد ندد الأنبياء تنديداً شديداً في العهد القديم بهذه الشكوك
(94). أما في
العهد الجديد فيسوع المسيح نفسُه
أنذر بقوة لا تقل صراحة أنه يعاقبها أشد العقوبات (95). فلا نخلقن إذاً
تناقضاً مصطنعاً بين النشاطات المهنية والإجتماعية من جهة، وبين الحياة
الدينية من جهةٍ
أخرى. لأن المسيحي عندما يَهمل
إلتزاماتِهِ
نحو القريب وبالتالي نحو الله نفسِه،
ويعرّض خلاصه الأبدي للخطر. وعلى غرار المسيح الذي عاش عيشةَ
صانعٍ،
ليبتهج المسيحيون لأنهم يقدرون أن يقوموا بنشاطاتهم الأرضية كلها
موحدين، في تركيبة ديناميكية، كل الجهود البشرية والعائلية والمهنية
والعلمية والتقنية مع القيم الدينية التي، إذا هيمنت وسادت، تنظِم
كل شيء لمجد الله.
إن المهن والنشاطات الزمنية تعود خاصةً
إلى العلمانيين وإنْ
لم تكن محصورةً
بهم. فليُعنَوا إذاً، عندما يعملون، أفراداً أو جماعات، كمواطني هذا
العالم، بألاّ يحترموا الأنظمة الخاصة لكل فرع وحسب بل بأن يحصلوا فيه
على مهارة حقيقية. وليتعاونوا مع الذين يلاحقون الأهدافَ
نفسَها
التي يلاحقونها هم. ومع إدراكِهم
لمقتضياتِ
إيمانهم الذي تغذيهم قوته، عليهم ألاّ
يتقاعسوا في الوقت المناسب عن أخذ مبادراتٍ
جديدة يضمنون تحقيقها. إنّ
على ضميرهم، بعد أن يكون قد تربى على ذلك، أن يُدرجَ الشريعة الإلهية
في حياة المدينة الأرضية. ولينتظروا من الكهنة النور والعون الروحيين.
وعليهم ألا يفكروا مع ذلك أن لرعاتهم من الكفاءة ما يمكنهم من إيجاد
الحل العملي المباشر لكل مشكلة تعرض لهم وإن خطيرة، ولا يفكروا أن هذه
هي مهمتهم؛
بل عليهم بالأحرى أن يتحملوا هم مسؤولياتهم مستنيرين بالحكمة المسيحية
ومصغين بأمانة لتعليم السلطة الكنسية (96).
إن نظرتهم المسيحية للأشياء غالباً ما تميل بهم إلى هذا الحل أو ذاك وفقاً
للظروف. وغالباً ما يحدث وعلى حق، أن يُصدرَ
غيرُهم
من المؤمنين حكماً آخر
بإخلاص
شبيه بإخلاصهم. وإذا حصل أن يربط الكثيرون، دون صعوبة ورغماً عن إرادة
ذوي
العلاقة، بين أحكام هذا الفريق أو ذاك وبين بشارة الإنجيل، فليذكر
الجميع، في حالةٍ
كهذه، أن ليس لأحد الحق بأن يطالب له وحده بسلطة الكنيسة لحماية آرائه.
فليحاولوا دائماً أن يستنيروا بالحوار المخلص محافظين على المحبة فيما
بينهم حريصين قبل كل شيء على الخير العام.
من واجبِ
العلمانيين أن يساهموا بطريقةٍ
فعالة في كل حياة الكنيسة. ولكن يجب ألا يقتصر نشاطهم على إنعاش العالم
بالروح المسيحية وحسب، لأنهم مدعوون أيضاً إلى أن يكونوا شهوداً للمسيح
في كلِّ
مناسبة وفي قلب الجماعة البشرية.
أما الأساقفة، الذين أوُكلت
إليهم مهمة إدارة كنيسة الله، فليكرزوا مع كهنتهم ببشارة المسيح، حتى
يغمرَ
نورُ
الإنجيل كلَّ
نشاطات المؤمنين الأرضية. علاوةً
على ذلك فليذكر جميع الرعاة أنهم بتصرفاتهم اليومية
(97) وسهرهم يظهرون
للعالم وجهاً من وجوه الكنيسة عليه يستند الناس، ليحكموا على حقيقة
البشارة المسيحية وقوتها. ليبرهنوا إذاً بحياتهم وكلامهم، متحدين مع
الرهبان والمؤمنين، إن الكنيسة، بمجردِ
وجودِها
وبما تحمل من عطايا، هي ينبوع لا ينضب لكل القوى التي يحتاج إليها عالمُ
اليوم أشد الأحتياج. فليتابعوا الدرسَ
دون توقف ليتمكنوا من القيام بمسؤولياتهم؛ متجاوبين مع العالم ومع
البشر من أي رأي
ٍ
كانوا. وليحفظوا خصوصاً في قلوبهم كلام المجمع القائل: وبما أن الجنس
البشري أخذ يتجمع اليوم أكثر فأكثر، في وحدةٍ
مدنيةٍ
وإقتصادية وإجتماعية، فقد أصبح أشدَّ
الزاماً على الكهنة أن يوحدوا جهودَهم
ومساعيهم تحت قيادة الأساقفة والحبرِ
الأعظم، ولينبذوا كلَّ
أسباب التشتت، ويقودوا الجنس البشري بأسره إلى وحدة عائلة الله
(98).
إن الكنيسة وإن ظلّت بقوة الروح القدس عروسَ
السيد المسيح الأمينة، ولم تنفكْ
أن تكون في العالم آيةَ
الخلاص، تعرف مع ذلك تمامَ
المعرفة أن بعضاً من أعضائها (99)، من إكليروس وعلمانيين، أظهروا عدمَ
أمانتهم لروحِ
الله خلال تاريخها الطويل. وحتى في ايامنا أيضاً لا تجهل الكنيسة
المسافة التي تفصل بين البشارة التي تنشر، وبين الضعف البشري الذي
يستولي على مَنْ
أوكل إليهم الإنجيل. وأياً يكن حكمُ
التاريخ على هذا الضعف، علينا أن نعيه ونقاومه بشدة كيلا يسيء إلى
إنتشار الإنجيل. وتعرف الكنيسة أيضاً كم عليها أن تتعلم من خبرة
الأجيال، حتى تنمي علاقاتها مع العالم. إنَّ
أمَنا
الكنيسة التي يرشدها الروح القدس لا تنفك
"تحض
أبناءَها
على التنقي والتجدد لتسطعَ
آيةَ
المسيح سطوعاً أجلى على وجهها"
(100).
المساعدة التي تتقبلها الكنيسة من عالم اليوم
4344
-44- كما أنه من المهم بالنسبةِ
إلى العالم أن يعترفَ
بالكنيسة حقيقة إجتماعية تاريخية وخميراً له، كذلك لا تجهل الكنيسة كل
ما تقبلته من التاريخ ومن تطورِالجنس
البشري.
إن الكنيسة تُفيد
أيضاً من خبرة الأجيال الماضية وتقدم العلوم، وما تحويه الثقافات
المختلفة من ثرواتٍ
خفية تسمح بمعرفة الإنسان ذاته معرفةً
أعمق، وتشقّ
للحقيقة طرقاً جديدة. فمنذ بدءِ
تاريخها، عكفت على إستخدامِ
لغات الشعوب المختلفة وكلماتها للتعبير عن بشارة المسيح، كما أنها
اجتهدت،
فضلاً عن ذلك،
أن
تبيّن قيمته،
مستخدمةً
حكمةَ
الفلاسفة: وذلك حرصاً منها لتجعل الإنجيل، ضمن الحدود اللائقة، مفهوماً
من الجميع، موفقة بينه وبين مقتضيات الحكماء. وبالحقيقة يجب أن تبقى هذه الطريقة الخاصة
لإعلان الكلام الموحى، قاعدةً لكل تبشير. وعلى هذا المنوال يمكن أن تحضّ
كلَّ
أمة لكي تتمكن من التعبير عن البشارة المسيحية وفقاً للطريقة التي
تناسبها، فينمو هكذا التبادل الحي بين الكنيسة والثقافات المختلفة
(101).
ولتقوية هذا التبادل، خاصة في أيامنا التي يسير فيها كل شيء بسرعة،
وتتنوع طرقُ
التفكير تنوعاً كثيراً، تحتاج الكنيسة إلى مساندةِ
الذين يعيشون في العالم ويعرفون أنظمته
المتنوعة وقوانينه المختلفة ويفكرون كما يفكر، سواء كانوا من المؤمنين
أم من غير المؤمنين. إنه يعود إلى شعب الله، وبالأخص إلى الرعاة
واللاهوتيين، أن يتفحصوا بمساندةِ
الروحِ
القدس، ويميزوا ويشرحواالكلامَ
المتنوع الذي يتداوله عصرنا، وأن يحكموا عليه على ضوء الكلام الإلهي.
وما ذلك إلاّ
لتُدرَك الحقيقة الموحاة وتُفهَم
فهماً متزايداً فتُعرَض
بشكل أكثر ملاءمة.
وبما أن للكنيسة تركيباً إجتماعياً منظوراً يدل على وحدتها في المسيح،
تستطيع أن تغتني، وفعلاً تغتني، من سياق الحياة الإجتماعية: لا لأنه
ينقص شيء في الدستور الذي ركّزها
عليه المسيح، ولكن لكي ترسخه وتعبر عنه تعبيراً أصدق ليتناسب مع عصرنا
بطريقة موفقة. إن الكنيسة لتُقرُّ
شاكرةً
بأنها تقبل مساعدة متنوعة، من قِبل
أناسٍ
ينتمون إلى كل الطبقات والأوضاع. وهذه المساعدة تعود بالنفع إلى
الجماعة التي تؤلفها، وإلى كل من أبنائها. فكل الذين يساهمون في إزدهار
الجماعةِ
البشرية على المستوى العائلي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي
(على الصعيد الوطني أو الدولي) يقدّمون
هكذا، ووفقاً لمخطط الله، مساعدةً
لا يُستهان
بها إلى الجماعة الكنيسة، بقدرما تربط الكنيسة بالعالم الخارجي. أضف
إلى ذلك أن الكنيسة تعترف بأنها إستحصلت على منافعَ
جمة ولا تزال، من مخاصمة أعدائها ومضطهديها بالذات
(102).
المسيح الألف والياء
4345
-45- سواء ساعدت الكنيسة العالم أو قبلت منه مساعدةً
فإنها تنشد غايةً
وحيدة وهي أن يأتي ملكوت الله ويتوطد خلاص الجنس البشري. ومع ذلك، إن
كلَّ
الخير الذي يستطيع أن يوفرَه
شعب الله أثناء حجّه على هذه الأرض للعائلة البشرية، ناتج عن هذه الحقيقة وهي أن الكنيسة هي
"سر
الخلاص الشامل"،
يبين ويحقق في آن واحد سرَّ
محبة الله للإنسان (103).
فكلمةُ
الله، الإنسان الكامل، الذي به كل شيء كُوِّن،
صار جسداً لكي يخلص كل الناس ويجمع كل شيء. والسيد المسيح هو نهاية
التاريخ الإنساني، هو النقطة التي تلتقي فيها رغبات التاريخ والحضارة،
هو نقطة إرتكاز الجنس البشري، هو فرحُ
جميع
ِالقلوب
لأنه يقود تَوَقانِها
إلى الكمال (104). هو الذي أقامه الآب من بين الأموات، وجعله ديان الأحياء
والأموات. ونحن الذين أحياناً وجميعنا بروحه، إنما نسير نحو كمال
التاريخ الإنساني، الذي يتناسب تماماً ومخططه المجبول بالحب:
"أن
يجمع كل شيء تحت إمرة قائد واحد اي المسيح، كل ما في السماء وكل ما في
الأرض"
(أفسس1
/ 10).
ولقد قال السيد المسيح نفسه:
"ها
أنا آتٍ
أحمل الجزاء لكلٍ
حسب أعماله. أنا الألف والياء الأول والآخر، البداية والنهاية"
(سفر الرؤيا 22 / 12
-
13).
ـــــــــــــــ
92- عب 13 / 14
93- 2 تسا 3 / 6 – 13 ، أف 4 / 28
94- أش 58 / 15 – 21
95- متّى 23 / 3 – 33 ، مر 7 / 1 – 13
96- يوحنا 23ً : الرسالة
" أمّ ومعلمّة" أ.ك.ر. 53 (1961) ص 465 –
457 ، و 1 : أ.ك.ر. ص 407 ، 410 – 411
97- م.ف. 2 :
دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 28
98- نفس المصدر،
الرقم 28
99- القديس امبروسيوس : في البتولية، الفصل 8 / 48 – أ.ك.ل. 16 /
278
100- م.ف. 2 : دستور في الكنيسة، الرقم 15
101- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 13
102- القديس يوستينوس : الحوار مع تريفون 110 :
أ.ك.ي. 6 : 729 ، طبعة أوتو 391 – 393 : "...بل يزاد عدد الذين يجتذبهم
اسم المسيح إلى الإيمان والذين بازدياد ما نقاسيه من الاضطهاد". راجع
ترتليانوس : الدفاع عن الدين 5 / 13 ، مجموعة ك.م.ل. 1 : 171 : يزداد
عددنا كلّ مرّة تحصدونها : ما دم المسيح إلاّ بذار". – م.ف. 2 :
دستور
عقائدي في الكنيسة، الرقم 9
103- م.ف. 2 :
دستور عقائدي في الكنيسة الرقم 48
104- بولس 6ً : الخطاب الذّي ألقاه في 3 شباط 1965 . جريدة
الفاتيكان |