أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

 دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم                                                     Gaudium et spes
 

الفصل الرابع: دور الكنيسة في عالم اليوم


العلاقات المتبادلة بين الكنيسة والعالم

4340 -40-
إن كل ما قلناه عن كرامة الإنسان وجماعة البشر ومعنى النشاط البشري العميق، يكوّن أساساً للعلاقة القائمة بين الكنيسة والعالم، وقاعدة
ً لحوارِهم المتبادل (80). ولهذا السبب، إذْ نفترض أن كل ما حدده المجمع من تعاليم عن سر الكنيسة أصبح معروفاً، سيبحث هذا الفصل في هذه الكنيسة نفسها من حيثُ وجودِها في العالم، تعيش فيه وتتفاعل معه.

لقد وُلدت الكنيسة من حب
ِ الآب الأزلي (81)، وأسّسها المسيح المخلص في الزمن، وجمع شملَها الروحُ القدس (82)، وهي تتبع غايةً خلاصية، لا يمكن أن تتحقق تماماً إلا في العالمِ الآتي، غير أنها حاضرة منذ الآن على هذه الأرض، وهي تتألف من بشرٍ هم أعضاءَ في المدينةِ الأرضية، دعوتُهم أن يؤلفوا، في قلب تاريخ الإنسان نفسه، عائلةَ أبناءِ الله، التي يجب أن تنمو باستمرار حتى رجوع الرب. ولقد إتحدت هذه العائلة إبتغاءً للخيرات السماوية- وهذا هو غناها- "وأقامها المسيح ونظمها على هذه الأرض كجماعة" (83)، وجهّزها بوسائلَ مؤاتيةٍ على توفير إتحادها الإجتماعي المنظور (84). إن الكنيسة هي بالوقت نفسه، "جماعةً منظورة وروحية" (85)، تسير مع كل البشرية وتشاركُ الكونَ في مصيره الأرضي؛ إنها كالخمير، كالروح في المجتمع الإنساني (86)، المدعو إلى التجديد في المسيح ليتحول إلى عائلةِ الله.

حقاً إن هذا التداخل بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية لا يُدر
َك إلاّ بعين الإيمان؛ أضِف إلى ذلك أنه يظل سراً من أسرار تاريخ الإنسان الذي تُبلبله الخطيئة، حتى يتجلى تماماً مجد أبناءِ الله. والكنيسة، إذ تتبع الغاية الخلاصية التي تمتاز بها، لا تمنح الإنسان الحياة الإلهية فقط، بل تنشر أيضاً، بطريقةٍ من الطرق على العالمِ كله، النورَ الذي ينبعث من هذه الحياة الإلهية خاصةً عندما تشفي الشخص البشري وترفع كرامته، وتُوثق تلاحم المجتمع وتوفر معنى أعمق لنشاط البشر اليومي وتنفحه بمفهومٍ أسمى. وهكذا تعتقد الكنيسة أن بإستطاعتها، من خلال كل فرد من أعضائها ومن خلال الجماعة التي تؤلف، أن تساهم مساهمةً واسعة في المزيد من "أنسنة" العيلة البشرية وتاريخها.  

علاوةً على ذلك، تقدّر الكنيسة الكاثوليكية تمامَ التقدير، ما صنعته ولا تزال تصنعه الكنائس المسيحية الأخرى أو الجماعات الكنسية، في سبيل تحقيق هذه الغاية. وهذا من دواعي إغتباطها. وبالوقت نفسه إنها مقتنعة تماماً، أن العلم يقدر أن يقدّم لها عوناً جليلاً ومنوّعاً، لإعداد الطريق للانجيل، وذلك بواسطة الميزات والنشاط الذي يتميز به الأفراد والمجتمعات التي تؤلف هذا العالم. وهاكم بعض المبادىء العامة لتتطور العلاقات بين الكنيسة والعالم تطوراً مفيداً وللتعاون بينهما في الحقول المشتركة.

الع
َوْن الذي تريد أن تقدمَه الكنيسة لكل إنسان

4341 -41- يسير الإنسان المعاصر في سبيل إنماء شخصيته إنماءً أكملاً وإلى إكتشاف حقوقه وإثباتها بصورة
ٍ متزايدة. والكنيسة التي أوكلت إليها رسالةَ إظهارِ سر الله، غاية الإنسان القصوى، تكشف من جهتها للانسان عن معنى وجوده بالذات، أي عن حقيقته الجوهرية. إن الكنيسة تعرف تماماً أن الله الذي تعبد، هو وحده يملأ أعمق رغباتِ قلب الإنسان التي لا تشبعها أبداً الأطعمة الأرضية. كما أنها تعرف أيضاً أن الإنسانَ الذي يستميله دائماً روح الله، لن يكون لامبالياً تمام اللامبالاة تجاه المشكلة الدينية. ولا يبرهن عن ذلك إختبارُ القرونِ السالفة وحسب، بل شهاداتٍ متعددة من عصرنا اليوم. إن الإنسان يرغب دائماً في أن يعرف، ولو بقليلٍ من الوضوح، معنى حياته وأعماله وموته. إنّ مجرّد وجود الكنيسة يذكره بهذه المشاكل. ولا يستطيع أن يجيبَ جواباً وافياً على هذه الأسئلة إلا اللهَ وحدَه، الذي خلق الإنسان على صورته وإفتداه من الخطيئة. ويتم جوابه بواسطة الوحي الذي أعطاناه بالمسيح، إبنه الإلهي الذي صار إنساناً. ومن يتبع المسيح، ذلك الإنسان الكامل، يصبح هو أيضاً إنساناً كاملاً.

بما أن الكنيسة موط
َّدة على هذا الإيمان، تستطيع أن تنقذ كرامة الطبيعة الإنسانية من كلِّ الآراء المتقلبة التي تغالي مثلاً في تحقير جسد الإنسان أو بالعكس، تعظّمه دونما قياس. إنه ما من شريعةٍ إنسانية تستطيع أن تحافظَ على كرامةِ شخصية الإنسان وحريته، مثلما يحافظ عليهما إنجيل المسيح، الذي سُلّم إلى الكنيسة. فهذا الإنجيل يبشر بحرية أبناء الله ويعلنها ويرفض كلَّ إستعباد، لأن الإستعباد، بعد البحث والتدقيق، يأتي من الخطيئة (87). ويحترمُ هذا، الإنجيل إحتراماً دقيقاً، كرامة الضمير والإختيار الحر، ويعلّم بإستمرار إستثمار كل المؤهلات البشرية، لخدمة الله ولخير الناس (88)، مستودعاً كل فردٍ محبة الآخرين؛ ويتفق كل هذا وشريعة التدبير المسيحي الأساسية. فإذا كان الله ذاتَهُ هو معاً الخالق والمخلص، سيد تاريخ الإنسان وسيد تاريخ الخلاص، من المستبعد أن يمحو هذا النظام الإلهي نفسه، ما يحق للخليقة من سيادة وخاصة للانسان، بل بالعكس يعيد إليها الكرامة ويثبتها فيها.

لذا تنادي الكنيسة بحقوق
ِ البشر، بمقتضى الإنجيل الذي تسلَّمتهُ، وتُقرُّ وتقدّر تمام التقدير، حيويةَ عصرنا، الذي يعطي أينما كان وثبةً جديدة لهذه الحقوق. ومع ذلك يجب أن تكون هذه الوثبة مشبعةً من روح الإنجيل، مكفولة ضد كل فكرة سيادة خاطئة. لأننا معرضون للتجربة التي تجعلنا نعتبر أن حقوقنا الشخصية لا تُحفظ تماماً، إلاّ عندما نتحرر من كل نظام تنص عليه الشريعة الإلهية. غير أن إتباع هذه الطريق يلاشي كرامة الإنسان بدلاً من أن ينقذها.

المساعدة التي تحاول الكنيسة أن تحملها إلى المجتمع البشري

4342 -42- إن إتحاد العائلة البشرية يجد قوة كبيرة، ويبلغ ذروته، في وحدة عائلة أبناء الله التي أسسها المسيح (89).

أجل
ْ ليست الرسالة التي سلّمها المسيح لكنيسته من النمط السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي: فالغاية التي وضعها لها هي من نمطٍ ديني (90)، وينتج حقاًعن هذه الرسالة الدينية، مهمة وأضواء وقوى، من الممكن إستخدامُها، لتكوين جماعةِ البشر وتدعيمها وفقاً للشريعة الإلهية. وهكذا تستطيع الكنيسة نفسها، بل يجب عليها عند اللزوم، ومراعاةً لظروف الزمان والمكان، أن تقومَ بمشاريعَ تهدف إلى خدمة الجميع وخاصةً المعوزين، كالأعمال الخيرية وما يشبهها.

إن
ّ الكنيسة تعترف أيضاً بكل ما هو خير في الحيويّة الإجتماعية الحالية، خاصةً في الحركة التي تهدف إلى الوحدة، في التقدم نحو إشتراكية صحيحة، وفي التضامن على المستوى الوطني والإقتصادي. فالحثُّ على الوحدة يتفق ورسالة الكنيسة العميقة، لأنها في "المسيح كالسرّ، أي هي معاً العلامة والوسيلة للاتحاد الوثيق بالله ولوحدة كل الجنس البشري" (91) إن حقيقةَ الكنيسة بالذات تظهر للعالم أن إتحاداً حقيقياً إجتماعياً منظوراً، ينتج عن إتحادِ العقول والقلوب، أي عن ذلك الإيمان وتلك المحبة، اللذين تأسست عليهما وحدتها، تأسيساً لا يتزحزح في الروح القدس. فالطاقة التي تتمكن الكنيسة من نفحها للمجتمع الحديث، كامنةً في ذلك الإيمان وتلك المحبة، اللذين تحيا بهما عملياً دون أن ترتكز على سيادة خارجية، تُمارس بوسائلَ محض بشرية.

علاوة
ً على ذلك، بما أن من رسالة الكنيسة وطبيعتها ألاّ ترتبط بأي شكلٍ خاص من أشكال الثقافة، ولا بأي نظام سياسي وإقتصادي وإجتماعي، تستطيع الكنيسة بصبغتها الجامعة هذه، أن تكون صلةً وثيقةً، بين الجماعات البشرية المختلفة، وبين الأمم المتعددة، شرط أن يولوها الثقة ويعترفوا لها عملياً بحرية حقة للقيام برسالتها. ولهذا السبب تنبه الكنيسة أبناءَها وكلَ البشر على أن يتجاوزوا كل الخصومات بين الأمم والأجناس ويرسّخوا ترسيخاً داخلياً المنظمات الإنسانية الشرعية وفقاً لتلك الروح العائلية، روح أبناء الله.

ي
َعتبر المجمع ويحترم إحتراماً كبيراً، كل ما هو حقٌ وخير وعادل في المؤسسات المتنوعة التي أوجدها الجنس البشري ولا يزال. ويعلن أيضاً أن الكنيسة تريد مساعدةَ كل هذه المؤسسات ورفعها، بقدر ما يتعلق ذلك بها، وبقدر ما تتفق هذه المهمة، ورسالتها. وإن ما تصبو إليه فوق كل شيء، ان تتمكن من الإنتشار بحرية، لخيرِ الجميع، في ظل كل نظام يعترف بالحقوق الأساسية للشخص والعائلة ويعترف أيضاً بمقتضيات الخير العام.

ـــــــــــــ

80- بولس 6ً : الرسالة "كنيسته"، القسم 3 : أ.ك.ر. 56 (1964) ص 637 – 659

81- تيط 3 / 4

82- أف 3 / 5 – 6 ، 13 – 14 ، 23

83- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة الرقم 8

84- المصدر نفسه، الرقم 9، راجع الرقم 8

85- المصدر نفسه، الرقم 38 مع الملاحظة في الرقم 8

86- المصدر نفسه، الفصل 4، رقم 38: أعمال الكرسي الرسولي 57 (1965) ص 43 بالإضافة إلى المرجع رقم 120.

87- روم 8 / 14 – 17

88- متّى 22 / 39

89- م.ك. 2 : دستور الخطاب في الكنيسة، الرقم 9

90- بيوس 12ً : الخطاب الموجه إلى أرباب التاريخ و الفن 9 آذار 1956 : أ.ك.ر. 48 (1956) ص 212 . ["انّ مؤسسها الإلهيّ، يسوع المسيح لم يُلقِ أي تفويض ولم يحدّد لها أيّ غاية من النوع الثقافي، الهدف الّذي حدّده الميسح هو من النوع الدينيّ الصّرف (...). فالكنيسة يجب أن تقود الناس إلى الله حتّى يُسلّموا أمرهم اليه في غير تحفّظ (...). والكنيسو يجب أن لا يغيب عن نظرها هذا الهدف الدينيّ الصّرف والفائق الطبيعة. وإن فحوى نشاطاتها كلّها، حتّى آخر بنود قانونها، كلّ ذلك يجب أن يوجّه إلى يوجّه إلى هذا الهدف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة".

91- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة. الرقم 1

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي