أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

 دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم                                                     Gaudium et spes

 

احترام الأخصام ومحبتهم

4328 -28- يجب أن يمتدَّ إحترامُنا وحبُّنا إلى كلِّ الذين يفكّرون ويعملون بطريقة مغايرةٍ لنا، إنْ في القضايا الإجتماعية وإنْ في القضايا السياسية أو الدينية. وبقدرِ ما نجتهدُ في تَفَهُّمِ نظرياتهم تفهماً داخلياً مطبوعاً بالحب والتودد، يَسهل حينئذ الحوار معهم.

أجل، إن هذا الحب وهذا التودد يجب أن لا يقودنا أبداً إلى اللامبالاة في ما يتعلق بالحق والخير. وبالأحرى إنه الحبُّ نفسُهُ يدفع بتلاميذ  المسيح إلى أن يبشّروا جميعَ الناس بالحقيقة التي تحملُ الخلاص. ولكن علينا أن نميِّزَ بين الأضاليل التي يجب أن نرفضَها دائماً وبين الذي يغلط، لأن من يغلط يحتفظ دائماً بكرامته كشخص، حتى وإن ضلَّ الطريق بين التعابير المغلوطة أو الناقصة في ما يتعلق بالأمورِ الدينية (51). إن الله وحدَه هو الذي يفحصُ القلوب ويحكم عليها ويحذّرنا من أن نَدين أحداً ونؤثِّمَه (52).

إن تعليمَ المسيحِ يقودُ إلى طلبِ الصفح عن الإساءات (53) فينشرَ وصية المحبة، وصية الناموسِ الجديد، إلى كلّ الأعداء "لقد قيل لكم: أحبب قريبَك وأبغض عدوَك؛ أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءَكم وأحسنوا إلى مَن يبغضكم وصلّوا لأجلِ من يضطهدكم ويقول عليكم شراً" (مت 5 / 43 - 44).

مساواة جوهرية بين كل الناس وعدالة إجتماعية
 
4329 -29- إنّ جميعَ البشرِ الذين خُلقوا على صورةِ الله وتزيَّنوا بنفسٍ عاقلة ينتمون إلى الطبيعة نفسها و يتحدَّرون من الأصل
ِ ذاته. إنهم ينعمون جميعَهم بالدعوةِ ذاتِها وبالمصير الإلهي ذاته لأن المسيح افتداهم. فيجب إذاً أن نعترف دائماً بالمساواة الجوهرية فيما بينهم وبمزيدٍ من التعمُّق.

مِن المؤكد أن كلَّ الناس ليسوا بمتساوين بقواهم الجسدية المختلفة، ولا بقواهم العقلية والأدبية المتنوعة. غير أن كلَّ نوعٍ من التمييز يتناول حقوق الإنسان الأساسية، إجتماعية كانت أم ثقافية، سواءً إرتكز على الجنس واللون والعرق وعلى الوضع الإجتماعي أو اللغة، أو الدين، يجب أن يُتعدّى ويُلغى لأنه منافٍ لتصميم الله. والحقُ يُقال إنه لمن المُحزن أن نتأكد أن هذه الحقوق الأساسية، حقوق الإنسان، لَمْ تُحترم بعد في كل مكان. أليست هذه هي الحال عندما تُحرم المرأة حقّ إختيار زوجها بملء حريتها، أو تختار طريقةَ حياتها أو أن تحصل على تربيةٍ وثقافةٍ تُشبهان التربية والثقافة المُعترَف بهما للرجل؟

علاوةً على ذلك فالبرغمِ من الفوارق الشرعية بين الناس، تفترض مساواةُ البشرِ في الكرامة، الوصول إلى أوضاعِ حياةٍ عادلة وأكثر إنسانية . فعدمُ المساواة الإقتصادية والإجتماعية الجسيمة، بين أعضاء العائلةِ البشرية الواحدة أو بين شعوبها، تثير الشكَّ وتقف عقبةً في وجه العدالة الأجتماعية والإنصاف وكرامةِ الإنسان وفي وجه السلام الإجتماعي والدولي.

فلتجتهدنَّ إذاً المؤسسات الخاصة والعامة، لتكون في خدمة الإنسان ومصيره. وبالوقت ذاته فلتقاومَنَّ بقوةٍ وفاعليةٍ كلَّ أنواعِ الإستعباد الإجتماعي أو السياسي؛ ولتحافظنَّ على حقوقِ الإنسان الأساسية في ظل كلِّ نظامٍ سياسي. وحتى إن لزمَ أن يَطول الوقت لبلوغِ الهدف المتوخّى، يجب على كل هذه المؤسسات البشرية أن تلبي رويداً رويداً دعوةَ الواقع الروحي الذي يسموا على كل واقع.

من الضروري أن نتجاوز النظرة الفردية للأخلاق

4330 -30- إنَّ سرعة التبديلات وإتساعَها يتطلبان بإلحاح ألا يكتفي إنسان ما بقواعدٍ أخلاقيةٍ فردية، أكان ذلك نتيجةً لعدم إنتباهه الى تطور الكون أم نتيجة تقاعسه. وعندما يُساهم كلُّ واحد في الخير العام، حسب إمكاناته الخاصة ووفقاً لحاجاتِ الآخرين، ويهتم عملياً بنهضةِ المؤسسات العامة أو الخاصة وإنطلاقتِها، التي تهدفُ إلى تحسينِ أوضاعِ الحياة البشرية، يُتمم عندئذٍ أحسن فأحسن واجباتِه في ما يختصُّ بالعدالة والمحبة. فهناك أشخاصٌ يعلنون أفكاراً ساميةً تنمُّ عن سخاءٍ ولكنهم يتبعون في الواقع نهجَ حياةٍ وكأنهم لا يأبهون أبداً للتضامن الإجتماعي. وهناك عددٌ كبيرٌ لا يخافون من أن يتملَّصوا، بحيلٍ وألاعيبَ مختلفة، من دافع الضرائب العادلة ومِن سائر وجوه الدَّين الإجتماعي. وهناك آخرون يهملون بعض قواعدِ الحياة في المجتمع، كالأنظمةِ التي تهدف إلى الحفاظ على صحةٍ أو إلى قيادة السيارات، جاهلين أن بإهمالهم هذا، يُعرِّضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر.

فليعتبرْ الجميع وليحسبوا أن التضامنَ الإجتماعي هو من أهمِّ واجباتِ إنسانِ اليوم، وليقوموا به. فبقدرِ ما يُصبحُ العالمُ واحداً، يتَّضحُ أن واجبات الإنسان تتعدى الجماعات الخاصة المحصورة، لتمتد رويداً رويداً إلى الكون كلِّه. وهذا لا يتم إلاّ إذا أذكى الأفراد والجماعات فيهم، القيمَ الأخلاقية والإجتماعية ونشروها حولهم. وحينئذٍ ينهض أناس جدد حقاً، يعملونَ على خلقِ الإنسانية الجديدة بمساندة النعمة الإلهية الضرورية.

ــــــــــــــ

51- يوحنا 23ً : الرسالة "السلام في الأرض" أ.ك.ر. 55 (1963) ص 297.

52- الخطاب الّذي وجهه آباء م.ف. 2 جميع البشر عند افتتاح المجمع في تشرين الأول 1962 : أ.ك.ر. 54 (1962) ص 823.

53- بولس 6ً : الخطاب الموجّه إلى السلك الدبلوماسي، 7 كانون الثاني 1965 : أ.ك.ر. 57 (1965) ص 232.

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي