|
دستور
رعائي في الكنيسة في عالم اليوم
Gaudium et spes
عظمة الحرية
4317
-17- غير أن
الإنسانَ يتجه نحو الخيرِ بملءِ حريته. هذه الحرية التي يعتبرُها
معاصرونا إعتباراً عظيماً ويبحثون عنها بكل حماسٍ، وهم في ذلك على حق.
ولكن غالباً ما يعززونها بطريقةٍ منحرفةٍ إذ يعتقدون أنها إستباحةٌ
لكلِّ شيءٍ يجلب السرورحتى وإن كان شراً. غير أن الحريةَ الحقيقيةَ هي في الإنسانِ علامةً
مميزة عن صورةِ الله فيه. لأن الله أرادَ أن "يتركه لمشورته الخاصة"
(19) حتى يتمكن بذاتِهِ من أن يبحث عن خالقِهِ، ويلتحقَ به بحريةٍ، ويبلغ
هكذا إلى تمام سعادتِهِ الكاملة. إنَّ كرامةَ الإنسانِ تتطلَّبُ منه أن
يتصرَّفَ إستناداً إلى إختيارٍ حرٍّ وواعٍ مدفوعاً بإقتناعٍ شخصيٍّ
يُحدِّدُ موقفَهُ، لا تحت الدوافعِ الغريزية أو الضغط الخارجي. ويحصلُ
الإنسانُ على هذه الكرامة عندما يتخلَّصُ من عبودية الأهواءِ، إذ
يختارُ الخيرَ حُراً، فيسيرُ نحو مصيرِهِ ويسعى حثيثاً مرتكزاً على
مهارتِه، ليؤمِّنَ فعلاً الوسائلَ لتحقيقه. غير أن الحريةَ الإنسانيةَ
التي جرحتها الخطيئة، لا تستطيعُ أن تسير نحو الله كلياً وبطريقةٍ
فاعلة، إلا بمعونةِ النعمةِ الإلهية. وعلى كل إنسانٍ أن يؤدي حساباً عن
حياتِه أمامَ منبر الله، عن الخير أو الشر الذي فعل
(20).
سر الموت
4318
-18- إنَّ لغز
الوضعِ البشري يبلغ الذروة أمام الموت. فما يُؤلمُ الإنسان ويقضي
مضجعه، ليس الألم وحده ولا إنحطاط جسده تدريجياً، ولكن بالأحرى الخوفُ
من فناءٍ نهائي. وإنه ليرفضُ هذا الفناء الكلي ولا يرضى به. كما أنه
يرفض أن ينحلَّ شخصياً ونهائياً. ورفضُهُ هذا مرتكزٌ على إلهامٍ صحيح
يأتيه من أعماقِ قلبه. فزَرْعُ الأبدية الذي يحملُهُ في نفسه، والذي لا
ينحصر في المادة فقط، يثور ضد الموت. وإنَّ كلَّ محاولاتِ التقنية مهما
كان نفعُها جليلاً، لَتعجَزُ عن تهدئةِ قلقِهِ لأنَّ طولَ العُمر الذي
يحققه علم الحياة لا يمكنُهُ أن يشبعَ رغبتَهُ في حياةٍ أخرى، تلك
الرغبةُ المتأصِّلة الراسية في قلبه.
ولكن إذ يظهر هنا عجزَ المخيلة، تؤكد الكنيسة المسترشدة بالوحي الإلهي
أن الله خلق الإنسانَ لآخرةٍ سعيدةٍ بعيدةٍ عن شقاوات العالم الحاضر.
وعلاوةً على ذلك يعلِّمنا الإيمان المسيحي أن هذا الموت الجسدي لم يكن
الإنسانُ ليخضع له لولا
الخطيئة (21) وإن هذا الموت سيُغلب عندما يعيدُ المخلِّصُ الرحوم والكلي
القدرة إلى الإنسان الخلاص الذي خسره بخطيئته. فالله قد دعا ولا يزال
يدعو الإنسان ليتَّحِدَ به بملءِ كيانِهِ، إتحاداً أبدياً قوامُهُ حياة
إلهية لا تتبدل. إن هذا الإنتصار قد حققه المسيحُ بقيامته
(22) مُحرراً
الإنسان من الموت بموته هو. وإنَّ الإيمانَ خليقٌ بأن يجيب على تساؤل
الإنسان المتلهّف حولَ مستقبله، إستناداً إلى الوثائق الثابتة التي
يعرضها على كلّ إنسان ليتفحّصها. كما أنه يُقدِّم لنا أيضاً، بواسطة
المسيح،
إمكانية الإتحاد بإخوانٍ لنا أعزاءَ غادروا هذه الحياة فاتحاً لنا باب
الأمل بأنهم وجدوا بقرب الله الحياة الحقيقية.
أشكال الإلحاد وجذوره
4319
-19- إن أسمى
مظاهر الكرامة الإنسانية يكمنُ في دعوة الإنسان إلى الإتحاد بالله.
والدعوةُ التي يوجهها الله لإقامة حوارٍ مع الإنسان تبدأ ببدء الحياة.
فوجوده دليلٌ على أن الله خلقه حباً له؛ وحباً له أيضاً، يحفظه في
الوجود. ولا يُمكن للإنسان أن يعيشَ ملء الحياةِ وفقاً للحقيقة إن لم
يعترف حراً بهذا الحبِّ مستسلماً لخالقه. غير أن الكثيرين من معاصرينا
لا يُدركون أصلاً العلاقةَ الحياتية الحميمة التي تربط الإنسان بالله
أو ينبذونها صراحةً إلى حدِّ أن الإلحادَ يُعَدُّ ظاهرةً من أخطر ظواهر
هذا العصر ويجب أن يخضع لبحثٍ في منتهى الدقة.
يُطلق إسم الإلحاد على ظواهر متنوعة. فبينما ينكر بعض الملحدين وجود
الله صراحةً، يعتقد آخرون أن الإنسان لا يقدرُ أصلاً أن يؤكِّدَ شيئاً
عنه. ويتطرَّقُ آخرون أيضاً إلى البحث في مشكلة الله بطريقةٍ تبدو وكأن
لا معنى لها. ويتجاوزُ الكثيرون حدود العلومُ الإيجابية دون أي مبرر
فيزعمون أن العقل العلمي وحده يشرحُ كلَّ شيءٍ أو بالعكس لا يعترفون
مطلقاً بأية حقيقة ثابتة بصورةٍ نهائية. ويبالغُ آخرون في تعظيم
الإنسانِ إلى حدِّ زعزعة الإيمان بالله منشغلين بتأكيد وجود الإنسان
أكثر مما هم منشغلون بإنكار الله. ويتمثل بعضهم الله بشكل يجعلهم، إذا
ما رفضوه، يرفضون إلهاً لم يتكلم عليه الإنجيل أبداً. وقسمٌ منهم لا
يتطرق حتى إلى مشكلةِ الله، فيبيدون وكأنهم غرباء لا يزعجهم أي قلقٍ
ديني ولا يدركون لماذا يأبهون بعد للديانة. علاوةً على ذلك، ينتج
الإلحاد غالباً، إما من إحتجاجٍ على الشر في العالم وثورة عليه، وإما
لأن بعض المثل البشرية طُبعت بطابعٍ يُعتبر مطلقاً إلى حدِّ أنها أخذت
مكان الله. إن الحضارة الحديثة ذاتها تزيد في صعوبةِ التقرُّبِ من
الله، لا كحضارة، بل لأنها مرتبطة إلى حد بعيد بالحقائق الأرضية.
أجل إن الذين يحاولون عمداً نزع الله من قلوبهم وإبعادَ المشاكل
الدينية بعدم تلبيتهم أوامر ضميرهم، لا يتبرأون من كل إثم. غيرأن
المؤمنين أنفسهم، غالباً ما يتحملون في هذا الصدد قسطاً من المسؤولية.
فالإلحاد، إذا ما نظرنا إليه نظرةً إجماليةً ندرك أن لا مبرر له في
ذاته بل في أسبابٍ متعددة، منها ردّةُ فعلٍ مبنية على إنتقاد الديانات،
وفي بعض المناطق ردّةُ فعلٍ خاصة تجاه الديانة المسيحية. ولذلك قد يكون
للمؤمنينَ في نشأةِ الإلحاد قسط غير يسير بقدر ما يحجبون وجه الله
الصحيح ووجه الديانة أكثر مما يظهرونه ويكشفون عنه، سواء بإهمالِ
العناية بإيمانهم وبعدم تغذيته، أو إظهار العقيدةِ وعرضها عرضاً غاشاً
أو بكبواتِ حياتهم الدينية والأخلاقية والإجتماعية.
الإلحاد كمذهب
4320
-20- إنَّ
الإلحاد الحديث غالباً ما يظهر بشكلِ مذهب. وبقطع النظر عن بقية
الأسباب فإنه يَدفع بنزعةِ الإنسان إلى السيادة إلى حدٍ يصعب معه
الإرتباط بالله. ويتمسك المنادون بهذا النوع من الإلحاد بأن الحرية
تقوم بما يلي: الإنسانُ هو غايةٌ في ذاته، هو الذي يصنع تاريخه وينظمه
بذاته. ويزعمون أن هذه النظرة إلى الواقع لا تتفق والإعتراف بربٍ هو
صانعُ كل شيء وغايته، أو على الأقل أن هذه النظرة تجعل هذا التأكيد
الأخير تافهاً. وقد يزداد هذا الإعتقاد رسوخاً بفضلِ الشعور بالقوة
الذي يمنحه للإنسان تقدمه في حقل التقنية.
وعلينا ألا نُعرِضَ، في عداد الإلحاد المعاصر، عن ذلك الإلحاد الذي
يهدف إلى تحرير الإنسان خاصة في حقلي الإقتصاد والإجتماع. ويزعم قوم أن
الديانة بحدِّ ذاتها تقاوم هذا التحرير بقدر ما تُحوِّلُ نظرَ الإنسان
عن بناءِ المدينة الأرضية إذ تبني رجاءه على سرابِ حياةٍ مستقبلية.
ولذلك، حيث يصبح أتباع هذه العقيدة أسيادَ الحكم، يهاجمون الديانة
هجوماً عنيفاً ويستعملون لنشر الإلحاد كلّ وسائل الضغط التي هي في
متناول السلطة العامة، خاصة في ما يتعلق بتربية الشبان.
موقف الكنيسة من الإلحاد
4321
-21- لا تستطيع
الكنيسة، وهي الأمينة لله وللإنسان معاً، إلاّ أن ترذل بحزنٍ وبمنتهى
الشدة، كما فعلت ذلك في الماضي (23) هذه التعاليم وهذه التصرفات المشؤومة
التي تُعاكس العقل والإختبار العام وتحط من قدر الإنسان ومن نبله
الموروث.
غير أنها تجتهد في أن تدرك أسباب نكران الله الكامنة في قلوب الملحدين.
وإنها لتعي تماماً خطورةَ المشاكل التي يطرحها الإلحاد. وبما أن حبُّ
جميعِ الناس هو الذي يدفعها تعتبر أن من واجبها إخضاعُ هذه الأسباب إلى
فحصٍ رزينٍ وعميق.
تؤكد الكنيسة أن الأعتراف بالله لا يُعاكس كرامة الإنسان بأيةِ طريقةٍ
من الطرق، لأن في الله ذاته ما يبرر هذه الكرامة وما يكملها. فالله
الخالق أقامَ الإنسان في مجتمعٍ وزينه بالفهم والحرية. غير أنه بصفته
إبناً لله، فهو مدعو إلى مشاركة الله سعادتَه نفسها وحياته الحميمة.
علاوة على ذلك تُعلِّم الكنيسة أن الرجاء في حياةٍ أبديةٍ لا ينقص من
أهمية المهام الأرضية، بل بالأحرى يساعد على تتميمها مركزاً إياها على
دوافع جديدة. وبالعكس عندما يتلاشى العضد الإلهي والرجاء في الحياة
الأبدية، تُجرح كرامة الإنسان جرحاً بليغاً كما نراه غالباً في أيامنا.
كما أن لغزَ الحياة والموت والخطيئة والألم يبقى دون حلٍ: وهكذا غالباً
ما يهوي البشر في وهدة القنوط.
إذّاك يظل كلُّ إنسانٍ أمام نفسه سؤالاً لا جوابَ عليه يغلّفه الغموض.
ففي بعض الساعات، خاصة بمناسبة حوادث الحياة الكبرى، لا يتمكن أحد أن
يتملَّصَ مِن أن يتساءل سؤالاً كهذا؛ والله وحده هو الذي يستطيعُ أن
يجيب عليه تماماً وبطريقةٍ لا تقبل الجدل، وهو الذي يدعونا إلى تفكير
أعمق وإلى بحث يتسم بالمزيد من الإتضاع.
أما في ما يتعلق بدواءِ الإلحاد، من جهةٍ يجب أن ننتظره من عرض العقيدة
عرضاً مناسباً؛ ومن جهة ثانية من نقاوة حياة الكنيسة وحياة أعضائها.
أجل إن من واجب الكنيسة أن تجعل الله الآب وإبنه المتجسد حاضرين وشبه
منظورين، إذ تتجدد وتتنقى بإستمرارٍ تحت قيادة الروح القدس
(24). وذلك
بشهادةِ إيمانٍ حي وراشد، مهيء للتعرف بوضوح إلى الصعوبات والتغلب
عليها. هذا هو الإيمان الذي شهد له ولا يزال، شهادة رائعة، كثيرون من
الشهداء. وإن خصب هذا الإيمان يجب أن يظهر بنفوذه إلى حياة المؤمنين
كلها، حتى حياتهم العالمية، عليه أن يقودهم إلى إحلال العدالة والحب
خاصة بين المحرومين. وأخيراً إن ما يساهم أحسن المساهمة في إظهار وجود
الله وحضوره، هو حبُّ المؤمنين الأخوي الذين يعملون بقلب واحد من أجل
إيمان الإنجيل (25) فيظهرون وكأنهم رمزٌ للإتحاد.
إن الكنيسة، وإن رفضت الإلحاد رفضاً باتاً، تُعلن مع ذلك بكل صراحة أن
على البشر أجمعين مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين أن ينكبّوا على بناءِ هذا
العالم في العدل، هذا العالم الذي يحيون فيه معاً: ولن يتم ذلك حقاً
إلا بالحوار الصريح الحكيم. فالكنيسةُ تأسف إذاً للتمييز في المعاملة
بين مؤمنين وغير مؤمنين تقومُ به بعض السلطات المدنيّة بطريقةٍ ظالمة
محتقرة حقوق الإنسان الأساسية. إنها تُطالب للمؤمنين بالحريةِ العملية
وبإمكانيةِ بناء هيكل الله في هذا العالم. وإنها لتدعو الملحدين دعوةً
إنسانية ليتفحَّصوا إنجيل المسيح بموضوعيةٍ تامة.
وتعرفُ الكنيسة تمامَ المعرفة أن رسالتها تتجاوب وخفايا قلب الإنسان
العميقة عندما تدافع عن كرامةِ الدعوة الإنسانية، فتُعيدُ الرجاء هكذا
إلى أولئك الذين لن يجرؤوا فيؤمنوا بعظمةِ مصيرهم، إن رسالتَها بدلاً
من أن تنتقص من الإنسان تخدُمُ تقدمه إذ تنشر النورَ والحياة والحرية.
ولا شيء خارجاً عن هذه البشرى يُمكنه أن يشبع قلب الإنسان: "لقد خلقتنا
لكَ يا رب ولا يستقر قلبنا حتى يجد راحته فيك"
(26).
المسيح، الإنسان الجديد
4322
-22- بالحقيقة لا
تُلقى الأضواء الحقّة على سر الإنسان إلا من خلالِ سر الكلمة المتجسد.
فآدم الإنسان الأول كان صورةً لذلك الآتي، أي السيد المسيح (27). فالمسيح،
آدم الجديد، يكشف لنا عن سرِّ الآب وعن محبتِهِ، ويبيِّنُ للإنسان ما
هو عليه بالذات كاشفاً له عن سموّ دعوته. فلا عجب إذاً أن يكون هو
مصدرُ الحقائق التي تَكلمنا عليها، تلك التي تبلغ فيه ذروتها. "إنه
صورة الله غير المنظور" (كول 1 / 15) (28)؛ إنه الإنسان الكامل الذي رمَّمَ
في ذرية آدم المثالَ الإلهي الذي شوَّهَته لخطيئة الأولى. لأنه هو الذي
أخذَ الطبيعة البشرية دونَ أن يُلاشيها (29) فرفَعَ هكذا طبيعتنا أيضاً إلى
مرتبةٍ وكرامةٍ لا مثيلَ لهما. فبتجسُّدِهِ إتَّحَدَ إبن الله نوعاً ما
بكلِّ إنسان .لقد إشتغل بيدي إنسانٍ وفكر كما يُفكر الإنسان وعمل
بإرادة إنسانٍ (30) وأحبَّ بقلبِ الإنسان. لقد وُلِدَ من العذراء مريم وصار
حقاً واحداً منا شبيهاً بنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة
(31).
هو الحَمَلُ البريء الذي إستحق لنا الحياةَ بدمِهِ الذي أراقه بملء
الحرية. وبواسطته صالحنا الله مع ذاتِهِ ومع بعضِنا
(32) إذ إنتزعنا من
عبوديةِ الشيطان والخطيئة. إلى حدِّ أنه يمكن لكلٍّ منا أن يقول مع
الرسول: إن إبن الله "أحبَّني وبذلَ ذاتَه لأجلي" (غل 2 / 20) لقد
تألَّمَ لأجلنا ولم يعطنا بذلك مثالاً فقط لنسير على خطاه
(33) بل شقَّ لنا
طريقاً جديدةً: إذا تبعناها تتقدس الحياة ويتقدَّسُ الموت فيكتسبان
معنى جديداً.
وعندما يصبحُ المسيحي مطابِقاً لصورةِ الإبن، البكر بين إخوةٍ كثيرين
(34)
يقبلُ "بواكير الروح" (رو 8 / 23) التي تمنحه القوة ليُتمِّمَ الشريعة
الجديدة، شريعةَ الحبِّ (35). وبواسطةِ هذا الروح "عربون الميراث" (أف 1 /
14) يتجدَّدُ الإنسان كلُّه باطنياً بانتظار "إفتداء الجسد" (رو 8 /
23) (36) "وإن كان روحُ الذي أقام يسوعَ من بين الأموات ساكناً فيكم، فالذي
أقامَ يسوع المسيح من بين الأموات يُحيي أيضاً أجسادكم المائتة، بروحه
الساكن فيكم" (رو 8 / 11). أجل إنه لضروريٌّ وواجبٌ على المسيحي أن
يُحارب الشر، لقاء مشقاتٍ كثيرة، إلى أن يحلّ به الموت. ولكن بما أنه
إشترك في سر الفصح، وشابه المسيح في الموت، وتقوى بالرجاء، فهو يسيرُ
نَحوَ القيامة (37).
ولا يصح ذلك فقط في الذين يؤمنون بالمسيح ولكن في كل الناس ذوي
الإرادةِ الصالحة، الذين تعملُ النعمةُ في قلوبهم بطريقةٍ خفيةٍ
(38). فإذا
كان المسيح ماتَ عن الجميع (39) وإذا كانت دعوة الإنسان الأخيرة هي حقاً
واحدةً للجميع، أي إنها دعوة إلهية، علينا إذا أن نتمسك بأن الروح
القدس يُقدِّمُ للجميع، الإمكانية للإشتراك في سرِّ الفصح بطريقةٍ
يعرفها الله وحده.
هذه هي نوعيَّةُ سر الإنسان وعظمته. هذا السر الذي يوضحه الوحي المسيحي
ويتلألأ أمام أعين المؤمنين. فبواسطةِ المسيح وفيه يتضح وينحل لغز
الألم والموت، ذلك اللغز الذي يسحقُنا إن نظرنا إليه بمعزلٍ عن إنجيل
المسيح. لقد قامَ المسيحُ وبموته غلب الموت وأعطانا الحياة بغزارةٍ
(40) حتى، بعد أن أصبحنا أبناء في الإبن، نصرخ في الروح: أَبا ، أيها الآب
(41).
ـــــــــــــ
19- ابن سيراخ 15 / 14
20- 2 كور 5 / 10
21- حك 1 / 13 ، 1 / 13 ، 1 / 23 – 24 ، روم 5 / 21 ، 6 / 23 ، 1 /
15
22- 1 كور 15 / 56 – 57
23- بيوس 11ً : الرسالة "الفادي الإلهي"، 19 آذار 1937 : أ.ك.ر.
الجزء 29 (1937) ص 65 – 106 – بيوس 12ً : الرسالة "إلى رأس الرُسل" 29
حزيران 1958 : أ.ك.ر. 50 (1958) ص 601 -614 . - يوحنا 23ً : الرسالة
"أم ومعلّمة"، 15 أيّار 1961 : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 451 – 453 . – بولس
6ً :الرسالة
"كنيسته"، 6 آب 1954 : أ.ك.ر. 56 (1964) ص 651 – 653
24- م.ف.2 :
الدستور العقائدي "في الكنيسة"، الرقم 8
25- فيل 1 / 27
26- القديس اوغسطينوس :اعترافات، الجزء 1 الفصل 1 : أ.ك.ر. 32 :
661
27- روم 5 / 14 ، ترتليانس : "قيامة الأجساد" 6 :"إن كل ما يعبّر
التراب (الّذي منه آدم) يشيرإلى الإنسان الآتي، المسيح" أ.ك.ل. 2 / 802
(848)، المجموعة 47 ، ص 33 / 1 ، 12 – 13
28- 2 كور 4 / 4
29- م.ق. 2 "لم يتحول الله الكلمة إلى طبيعة الجسد ولم ينتقل الجسد
إلى طبيعة الكلمة "دنتسنغر 219 (428)، راجع أيضاً م.ق. 3: "جسده الكلي
القداسة والطهر المتأله لم يتلاش، بل بقي في حالته وكيانه الخاص..."
دنتسنغر 291 (655): راجع المجمع الخلقيدوني "يجب الإعتراف بأنه في
طبيعتين بلا امتزاج ولا تغيير وانقسام ولا انفصال"، دنتسنغر 148 (302).
30-
م.ق. 3 : "وكذلك فإرادته البشريّة المتأهّلة لم تُبْطَل"
دنتسنغر 291 (556)
31- عب 4 / 15
32- 2 كور 5 / 18- 19 ، متّى 16 / 24 ،لو 14 / 27
33- 1 بط 2 / 21 ، متّى 16 / 24 ، لو 14 / 27
34- روم 8 / 29 ، كول 1 / 18
35- روم 8 / 1 – 11
36- 2 كور 4 / 14
37- فيل 3 / 10 ، روم 8 / 17
38- م.ف. 2 :
دستور عقائدي في الكنيسة، العدد 16
39- روم 8 / 32
40- الليترجيا البيزنطية الفصحيّة
41- روم 8 / 15 ، غلا 4 / 6 ، ويو 1 / 12 ، و 1 يو 3/ 1 – 2
|