|
دستور
رعائي في الكنيسة في عالم اليوم
Gaudium et spes
القسم الأول: الكنيسة والدعوة الإنسانية
الجواب على نداءات الروح
4311
-11- إنَّ شعبَ
الله الذي يُحركه الإيمان يعلمُ أن روحَ الربّ الذي يملأ الكون يقوده،
ولذلك يجتهدُ في أن يميِّزَ في الحوادث متطلبات عصرنا ومقتضياتِه التي
يتقاسمها وسائر الناس. ويجتهد أيضاً في أن يُميز فيها ما هي العلامات
الحقيقية لحضورِ الله أو لتصميمه. فالإيمان يُلقي أضواءً جديدةً على
كلّ شيء ويُطلعنا على إرادةِ الله حولَ دعوةِ الإنسان الكاملة موجِّهاً
هكذا عقلَنا نحو حلولٍ في غايةِ الإنسانية.
إنَّ المجمعَ لَيبتغي قبلَ كل شيءٍ أن يحكم في ضوءِ ما تقدم على القيم
التي يَعتبرها معاصرونا كلَّ الإعتبار فيربطها بمصدرها الإلهي. لأن هذه
القيم صالحةٌ بقدرِ ما تنبثق عن العبقريَّة البشرية، التي هي هِبةٌ من
الله، ولكن ليس من النادر أن يَحيد بها فسادُ القلبِ البشري عن النظام
الواجب إتباعه، ولهذا السبب كانت هذه القيم بحاجةٍ إلى تطهير.
ماذا تُفكر الكنيسة في الإنسان؟ ما هي التوجيهات الواجب إقتراحها من
أجلِ بناءِ المجتمع المعاصر؟ أي معنى نهائي نُعطي نشاطَ الإنسان في
الكون؟ إنَّ هذه الأسئلة تتطلَّبُ جواباً ويبدو جلياً أن شعبَ الله
والجنس البشري المندمج فيه هذا الشعب ليتبادلان الخدمات. وهكذا تظهر
ميزة رسالة الكنيسة الدينية والمتسامية في إنسانيَّتها.
الفصل الأول: كرامة الإنسان الشخصية
الإنسان على صورة الله
4312
-12- يتفق
المؤمنون مع غيرِ المؤمنين على هذا: يجب أن يؤولَ كلُّ شيءٍ على هذه
الأرض إلى الإنسانِ بإعتباره مرجعُ كل شيء وذروته.
ولكن ما الإنسان؟ لقد تقدَّمَ ولا يزال يتقدَّمُ بآراءٍ متعددة عن
ذاته، آراء مختلفة ومتناقضة أيضاً. وإنه، وفقاً لهذه الآراء يُعظِّمُ
نفسَهُ كقاعدةٍ مُطلقة أو ينحط حتى القنوط: ومن هنا شكه ومضايقه. وإنَّ
الكنيسةَ لتشعرُ شعوراً عميقاً بهذه الصعوبات. وإنَّها لتستطيعُ أن
تأتي بجوابٍ، بما أنَّها مسترشدةٌ بالوحي الإلهي، جوابٌ ينجلي فيه وضعُ
الإنسانِ الحقيقي، فتبدو مَواطِن ضعفه بكلِّ وضوح، ولكن يُمكن مع ذلك
أن تُبان كرامته ودعوته.
فالكتاب المقدس يعلِّمنا أن الإنسان خُلِقَ على "صورة الله"، قادرٌ أن
يَعرفَ ويحبَّ خالقَه الذي أقامه سيداً على كلِّ المخلوقات الأرضية
(8)
ليتسلَّط عليها ويستخدمها ممجِّداً الله (9). "فما الإنسانُ حتى تذكره وإبن
الإنسان حتى تفتقده؟ نقَّصته عن الملائكة قليلاً وكلَّلته بالمجد
والكرامة. سَلَّطته على أعمالِ يديك وأخضعتَ كلَّ شيءٍ تحت قدميه" (مز
8 / 5 – 7).
ولكن الله لم يخلق الإنسان وحيداً: فمنذ البدء "ذكراً وانثى خلقهما"
(تك 1 / 27). وإن هذه الشَركة بين الرجلِ والمرأة لهي التعبيرُ الأول
عن شركةِ الأشخاص وإتحادِهِما. فالإنسانُ، بأعماقِ طبيعته، هو كائنٌ
إجتماعيٌ ولا يستطيعُ أن يحيا وينمّي مؤهلاته دون أن يُقيم علاقاتٍ مع
الآخرين.
ولذلك "نظر الله فرأى أن كلَّ ما صنعه حسن" هذا ما نقرأه في الكتاب
المقدس (تك 1 / 31).
الخطيئة
4313
-13- لقد أقامَ
الله الإنسانَ في حالةٍ من البرارة. غير أن الشريرَ أغواهُ منذُ بدءِ
التاريخِ فأساءَ إستعمالَ حريَّتِه واقفاً في وجه الله، راغباً في أن
يصلَ إلى غايتِهِ بدونه تعإلى. لقد عرفوا الله "غير أنهم لم يعبدوه
كإله..." فأظلم قلبُهم الغبي وخدموا الخليقة وفضَّلوها على الخالق"
(10).
وإنَّ ما يبينه لنا الوحي الإلهي بهذه الصورة يثبته إختبارنا بالذات.
فالإنسانُ، إذا تفرَّسَ في أعماقِ قلبه، يكتشفُ أنَّهُ مَيال أيضاً إلى
الشر، تغمرُهُ ويلاتٌ كثيرةٌ لا يمكن أن تأتيه من خالقه لأنه صالح.
فغالباً ما رفض الإنسانُ أن يعترف بأن الله هو مبدأُهُ ولذلك نقضَ
النظام الذي كان يوجّهه إلى غايته الأخيرة وحطَّم كلَّ تناغمٍ إن
بالنسبةِ إلى نفسِهِ أو إلى سائرِ الناس والخليقة كلها.
فالإنسانُ مقسومٌ على ذاته. وها حياةُ الناس كلها، فردية كانت أم
جماعية، تبدو صراعاً، وكم هو دام ٍ ،بين الخيرِ والشر، بين النورِ
والظلمة. أَضِفْ إلى ذلك أن الإنسان يكتشفُ أنه لا يقدرُ من تلقاء
ذاتِهِ أن ينتصرَ فعلاً على هجماتِ الشر؛ وهكذا يحسُّ كلُّ واحدٍ كأنه
مقيد بالسلاسل. غير أن الربَّ نفسَه أتى ليعيدَ إلى الإنسانِ الحريةَ
والقوةَ ويجدَّده من الداخل، ويطرح خارجاً "سيد هذا العالم" (يو 12 /
36) الذي كان يستعبده بالخطيئة (11). أما الخطيئة فإنها تنتقصُ من الإنسانِ
نفسه إذ تمنعه من بلوغِ كماله.
وعلى ضوء هذا الوحي نجد معنى نهائياً لسموِّ الدعوة الإنسانية ولتعاسةِ
الإنسان، تلك التعاسة العميقة التي نختبرها جميعاً.
تركيب الإنسان
4314
-14- الإنسانُ
واحدٌ وإن من نفسٍ وجسد. وهو بوضعِهِ الجسدي ذاته صورةٌ مصغرةٌ لعالمِ
الأشياءِ التي تجد فيه ذروتَها وتستطيع بحريةٍ أن تُسبِّحَ خالقَها
(12).
فلا يُسمح للإنسانِ بأن يحتقرَ الحياة الجسدية. بل بالعكس عليه أن
يُقدِّرَ ويحترمَ جسدَهُ الذي خلقه الله والمدعوُ إلى القيامةِ في
اليوم الأخير. ومع ذلك بما أن الخطيئةَ جَرَحته فالإنسانُ يحسُّ في
ذاتِهِ بثوراتِ الجسد. وكرامته نفسها هي التي تقضي بأن يُمجِّدَ الله
في جسدِهِ (13) فلا يُستَعبَد لميولِ قلبه الشريرة.
أجل إنَّ الإنسان لا يغلط عندما يعترف بأنه أسمى من العناصر المادية
معتبراً ذاتَه لا جزءاً يسيراً من الطبيعة ولا عنصراً مجهولاً من عناصر
المدنية البشرية. إنه بحياتِهِ الداخلية يفوقُ عالمَ الأشياء: وإنه إلى
هذه الأعماق الداخلية يعودُ عندما يرجع إلى ذاتِهِ حيث ينتظرُه هذا
الإله الذي يفحصُ القلوبَ (14) وحيث هو يقرِّرُ مصيرَه بذاته تحت نظر الله.
وهكذا فإنّه عندما يعترفُ بأن له نفْساً روحيّة خالدة فهو ليس
بأُلعوبةٍ خلقها الوهمُ يمكن شرحها فقط بالظروف الطبيعية والإجتماعية،
بل بالعكس يبلغ حتى عمقِ أعماق الواقع.
سمو العقل: حقيقة وحكمة
4315
-15- بما أن
الإنسانَ يشتركُ في نورِ العقل الإلهي، يحق له أن يفكر أنه يفوقُ
بعقلِهِ عالم الأشياء. ومما لا شكَّ فيهِ أن عبقريَّتَه عملت عبر
الأجيال بالكدّ والجدّ على تقدُّمِ العلومِ الإختبارية والتقنية
والفنون الجميلة. ولقد حصل في أيامنا على
إنتصاراتٍ لا مثيلَ لها، خاصةً في إكتشاف العالم المادي وإخضاعِهِ.
ولقد بحثَ دائماً مع ذلك عن حقيقةٍ أعمق فوجدَها. لأن العقلَ لا يقفُ
عند الظواهر فقط؛ إنه قادرٌ أن يبلغَ بكلِّ تأكيدٍ، الواقع الممكن
فهمه، بالرغم مما تتركُ الخطيئةُ فيه من ظلامٍ
وضعف.
وأخيراً، إن طبيعةَ الشخصِ العاقلة تجد ويجب أن تجد كمالها في الحكمة.
وإنّ هذه لتجذبَ بعذوبةٍ وقوّةٍ عقلَ الإنسان إلى البحث عن الحقّ
والخير وإلى محبتِهما. فالإنسانُ الذي يتغذى من ذلك يُقادُ من العالم
المنظور إلى غير المنظور.
وإن عصرنا لبِحاجةٍ إلى هذه الحكمة أكثرَ من أي عصرٍ كان حتى
يُؤَنْسِنَ إكتشافاته ذاتها أيةً كانت. وإن مستقبلَ العالمِ في خطرٍ
إذا لم يعرف عصرنا أن يخلقَ الحُكماء.
ولم لا نزيد الملاحظة التالية: إنَّ العديدَ من البُلدان الفقيرةِ في
الخيراتِ المادية، والغنية في الحكمة، تستطيعُ أن تخدمَ إلى حدٍ بعيدٍ
بلداناً أخرى في
هذا المضمار.
يتوصَّلُ الإنسانُ، بعد أن يُعطى موهبةَ الروح إلى أن يتأمَّلَ بعينِ
الإيمان فيتذوَّقَ سرَّ الإرادة الإلهية (15).
كرامة الضمير الأخلاقي
4316
-16-
يكتشفُ الإنسانُ في أعماقِ ضميره وجودَ شريعةٍ لم يسنّها لنفسه ولكن
عليه أن يخضع لها. إن هذا الصوت، الذي لا ينفك يُحرجه ليعملَ الخير
ويحبّه ويتجنب الشر، يدوي في الوقت المناسب في صميم قلبه: "أصنع هذا
وتجنب ذلك" لأن هذه هي شريعةٌ وضَعها الله في قلبِ الإنسان؛ وإن كرامته
تقومُ بالخضوعِ لها لأنها هي التي ستحكم عليه (16). فالضميرُ هو أعمقُ ما في
الإنسان من مركزٍ، هو المَقْدِسُ الذي يَلقى فيه اللهَ وحده ليسمع
صوته (17). إن هذه الشريعة التي تبلغ كمالها بحبِّ الله والقريب تَظهر
للضمير بطريقةٍ عجيبة (18). وعلى المسيحيين، أمانةً لضميرهم، أن يَبحثوا
بإتحادٍ مع سائر الناس عن الحقيقةِ وعن الحل العادل لمشاكل أخلاقية
متعددة تتأتى عن الحياة الفردية والحياة الإجتماعية أيضاً. وبقدر ما
ينتصرُ الضميرُ المستقيم، يبتعدُ الأشخاصُ والفئات عن إتخاذِ قرارٍ
أعمى ويميلون إلى أن يُطابقوا سلوكَهم على نواميسِ الأخلاق الموضوعية.
ولكن غالباً ما يَضلُّ الضمير، نتيجةَ جهلٍ لا يُغلب، ولكن دون أن يخسر
كرامته. وهذا ما لا نستطيع أن نقوله عندما لا يأبه الإنسان إلا قليلاً
للبحث عن الحق والخير، وعندما يدبّ العمى رويداً رويداً في ضميره وقد
تعوَّدَ على الخطيئة.
ـــــــــــــــ
8- تك 1 / 26 ، حك 2 / 23
9- سير 17 /3 – 10
10- روم 1 / 21 – 25
11- يو 8 / 34
12- يو 8 / 34
13- دا 3 / 57 – 60
14- 1 ملو 16 / 7 ، ار 17 / 10
15- سير 17 / 7 – 8
16- رو 2 / 15 - 16
17- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في موضوع تربية الضمير
المسيحي عند الشبّان – 23 آذار 1952 – أك ر 44 (1952) ص 271
18- متّى 22 / 37 – 14 ، غلا 5 / 14 |