|
قرار
في نشاط الكنيسة الإرسالي
Ad Gentes
الفصل الثاني:
العمل الرسوليّ في ذاتِه
توطئة
10- إنّ الكنيسة
التي أرسلها المسيح لتُعلِنَ لجميع البشر والشعوب وتبثّهم محبةَ الله،
تعلمُ أنّ مجالَ عملها الرسولي لا يزالُ واسعاً. فمليارا إنسانٍ يزدادُ
عددُهم يوماً بعد يوم، ويتضامّون جماعاتٍ كبيرة ترتبط فيما بينها
برُبُطِ الحياة الثقافية الراسخة، والتقاليدِ الدينية القديمة، ورُبط
المُقتضياتِ الاجتماعية الثابتة، هؤلاء لم يسمعوا بعد أو لم يكادوا
يسمعون البشارة الإنجيلية، منهم مَن ينْضوي إلى إحدى الديانات الكبرى،
ومنهم مَن لا يزالُ غريباً عن معرفة الله نفسَه، ومنهم مَن ينكر وجوده
بصراحةٍ، وأحياناً يتنكّر له ويتهجم عليه. ولكي تستطيعَ الكنيسةُ أن
تقدّم للجميع سرَّ الخلاص والحياة الآتية من لدُنِ الله، يلزمُها أن
تتسلل في جموعِ هذه الجماعات كلِّها، يحرّكها الدافع نفسُه الذي حملَ
المسيح، في تجسُده، على التقيّد بالأوضاع الاجتماعية والثقافية التي
كانت ثابتةً فيما بين البشر الذين عايشَهم.
البند
الأول: الشهادة المسيحية
شهادة
الحياة والحوار
11- يجب أن
تكونَ الكنيسةُ حاضرةً في هذه الجماعات البشرية بأبنائها الذين يعيشون
فيها أو الذين يُوجّهونَ إليها. وهكذا فمن واجبِ المؤمنين جميعهم،
حيثُما كانوا، أن يُظهِروا بمَثَلِ سلوكهم، وشهادة كلمتهم، الإنسانَ
الجديدَ الذي لبسوهُ بالمعمودية وقوة الروح القدس الذي أولاهم بسرّ
التثبيت دعماً، حتى إذا رأى الآخرون أعمالَهم الصالحة يُمجّدون الآب
(متى5: 16)، ويفقَهون فقهاً كاملاً معنى الحياة الإنسانية الحقيقي،
وحقيقة الرابطة الجامعة في الأسرة البشرية.
ولكي
يستطيعوا أن يُؤدوا شهادة المسيح هذه تأديةً مُثمرةً، يجبُ أن ينضمّوا
إلى هؤلاء البشر بالتقدير والمحبة، مُدركين أنهم أعضاءٌ في مجموعةِ
البشر التي يعيشون فيها، وأن يُسهِموا في الحياة الثقافية والاجتماعية
بما في الحياة البشرية من شتّى أنواعِ التعامل والتداول، وعليهم أن
يألَفوا تقاليدَ القوم الوطنية والدينية، وأن يكتشفوا بغبطةٍ واحترام
بذورَ الكلمة المُستترة فيها، وعليهم أن يتنبّهوا في الوقتِ نفسِه
للانقلاب العميق الذي يجري بين الأمم، وأن يسعوا جُهدَهم في أن يتحوّل
أبناءُ هذا العصر عن الأمور الإلهية بسبب شدّة انقيادهم للعلوم
ولتكنولوجيا العالم الحديث، بل أن يكونوا بالأحرى أشدَّ تيقّظاً في
تطلّبِ الحقيقة والمحبة اللتين من وحي الله تطلّباً أشدّ حرارة
واضطراماً. وكما سبرَ المسيحُ نفسُه قلبَ البشر وحوّلهم بالحوار
الإنساني، الحقيقي الإنسانية، إلى النور الإلهي، كذلك يجب على
تلاميذِه، وقد أُشبعوا من روحِ المسيح، أن يعرفوا الناسَ الذين يعيشون
فيما بينهم، وأن يُحادثوهم، لكي يقفوا أيضاً، بالحوار الصادق والصبور،
على الكُنوزِ التي وزّعها الله في جودِه، على الأمم، ويجب عليه في
الوقت نفسِه أن يعملوا على إنارةِ هذه الكنوز بنور الإنجيل، وتحريرها،
وإخضاعِها لسُلطان اللهِ المُخلّص.
حضور
المحبة
12- يجب أن يكون
حضورُ المسيحيين في المجتمعات الإنسانية عابقاً بتلك المحبة التي
أحبّناها الله، الذي يريدُ أن نحبَّ بعضُنا بعضاً بالمحبةِ نفسها (ايو
4: 11). والمحبة المسيحية تمتدّ في الحقيقة إلى الجميع، في غير نظرٍ
إلى العِرْق، والوضع الاجتماعي أو الديني، وهي لا تنتظرُ أيَّ مكسبٍ أو
أيَّ شكرٍ. فكما أحبنا الله مجاناً، على المؤمنين، في محبتهم، أن
يجعلوا اهتمامهم في الإنسان نفسِه، فيكونَ دافعُ تلك المحبة هوهو
الدافع الذي كان وراءَ تطلّب الله للإنسان. وكما أنّ المسيح في جميع
المدن والقرى شافياً كلَّ مرض وكلَّ سُقْم، إشارةً منه إلى مجيء ملكوت
الله (متى9: 35 وما يليها، أع10: 38)، كذلك تعملُ الكنيسة بأبنائها،
على الاتّصال بجميع البشر من أيّ وضعٍ كانوا، ولا سيّما الفقراء
والمكروبين منهم، وتُنْفقُ بكلّ سرور في سبيلهم (2كور12:: 15). فإنها
تشاركُهم في أفراحِهم وآلامهم، وتعرفُ رغبات حياتِهم ومشاكلَهم،
وتشاطِرُهم حسرات الموت. وهي ترغبُ في أن تستجيبَ لطالبي السلام بحوارٍ
أخويّ ٍ، تُقدّم لهم السلام والنور من الإنجيل.
فعلى
المسيحيين أن يعملوا، ويتعاونوا مع جميعِ الآخرين في تنظيمِ الأمور
الاقتصادية والاجتماعية تنظيماً قويماً. وعليهم أن لا يألوا جهداً في
تربية الأولاد والشبان بشتى أنواع المدارس التي لا تُعَدّ فقط وسيلةً
ناجعةً لتنشئة الشبيبة المسيحية وتنميتها، بل تُعدّ أيضاً خدمةً ذاتَ
قيمةٍ رفيعةٍ جداً لأبناءِ البشر، ولا سيّما في البُلدانِ الناشئة،
ووسيلةً ناجعةً لإعلاءِ شأنِ الكرامة الإنسانية، وإعداد أوضاعٍ أوفرَ
إنسانيةً. وعليهم أن يُسهموا في الجهود التي تبذُلها تلك الشعوب التي
تعملُ على تحسين أوضاعِ الحياة وعلى توطيد السلام في العالم
بمُحاربتِها الجوعَ والجهلَ والأمراض. وفي هذا المجالِ يجدرُ بالمؤمنين
أن تكون لهم الرغبة الشديدة في أن يؤازروا بفطنةٍ المبادراتِ التي
تُطلقُها المؤسسات الخاصة والعامة، والحكوماتُ، والمنظمات الدولية،
والجماعاتُ المسيحية المختلفة، والديانات غير المسيحية.
إلاّ أنّ
الكنيسة لا تريدُ، على أيّ حالٍ، أن تتدخّل في إدارة المدينة الأرضية.
وهي لا تُطالِب لنفسِها بأيّ دورٍ غيرِ الخدمة التي تؤديها، بعون الله،
للبشر في المحبة وإخلاص العمل (متى20: 26، 23: 11) (1).
إنّ تلاميذ
المسيح، وهم مُتّحدون بحياتهم وعملهم اتّحاداً وثيقاً بالبشر، يأملون
أن يُقدّموا لهم شهادة المسيح الحقيقية، وأن يعملوا في سبيل خلاصِهم،
حتى في الأمكنة التي يتعذّر عليه فيها أن يبشروا بالمسيح تبشيراً
كاملاً. فهم لا يطلبون تقدّم البشر وازدهارهم المَحصورَيْنِ في المجال
المادي، ولكنّهم يسعون في توفير كرامتهم وتوثيق اتحادهم الأخوي.
مُعلّمين الحقائق الدينية والأدبية التي أنارها المسيح بنورِه، وهكذا
يفتحون شيئاً فشيئاً المَسلَك الأفضل إلى الله. وهكذا يجدُ البشر عوناً
في السّعي وراءَ خلاصِهم بمحبةِ الله والقريب، ويأخذ سرُّ المسيح في
التجلّي، وهو الذي ظهرَ فيه الإنسان الجديد الذي خُلِقَ على مثال الله
(أف4: 24)، والذي تجلّت فيه محبة الله.
البند
الثاني: الكرازة بالإنجيل وتجميع شعب الله
تبشير
إنجيلي واهتداء
13- حيثما يفتح
الله مجالاً للكرازة لإعلان سرّ المسيح (كول4: 3) يجب تبشير (اكو9: 16،
روم10: 14) جميع البشر (مر16: 15) بجرأة وثبات (أع4: 13، 29، 31، 9:
27، 28، 13: 46، 14: 3، 19: 8، 26: 26، 28: 31، 1تسا2: 2، 2كو3: 12، 7:
4، فيل1: 20، أف3: 12، 6: 9، 20) بالله الحي، وبيسوع المسيح الذي أرسله
لخلاص الجميع (1تسا1: 9- 10، 1كو1: 18- 21، غلا1: 31، أع14: 15- 17،
17: 22-31)، حتى إذا فتحَ الروح القدس قلوب غير المسيحيين (أع16: 14)
يؤمنون ويهتدون إلى الرب بحرية، ويتعلّقون به بإخلاصٍ، وهو "الطريق
والحق والحياة" (يو14: 6) يُلبّي جميعَ مُرتَقَباتِهم الروحية، بل
يزيدُ عليها إلى ما لا حدّ له.
وهذا
الاهتداء يجبُ أن يُنظَر إليه على أنه المبتدأ، وهو مع ذلك كافٍ لأن
يعي الإنسانُ، وقد ارتدّ عن الخطيئة، أنّه أُدخِلَ في سر محبة الله،
الذي يدعوه إلى عَقدِ علاقاتٍ شخصيةٍ معه بيسوعَ المسيح. وهكذا يَسلُك
المُهتدي، بفعل نعمة الله، نهجاً روحياً ينتقلُ به، وقد اشترك في سر
الموت والقيامة، من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد الكامل في
المسيح (كول3: 5- 10، أف4: 20- 24). وهذا الانتقال الذي يجُرّ معه
تغييراً تدريجياً في الذهنية والأخلاق، يجبُ أن يظهرَ بنتائجه
الاجتماعية وأن ينمو شيئاً فشيئاً في مرحلةِ الموعوظية. وبما أن الرب
الذي يُطلَبُ الإيمانُ به هو هدفُ مخالفةٍ (لو2: 34، متى10: 34- 39)،
فكثيراً ما يَخْبرُ الإنسانُ المُهتدي القطيعةَ والانفصال، إلاّ أن
الفرح الذي يُنعم به الله عليه لا قياس له (1تسا1: 6).
إن الكنيسة
تقسو في تصدّيها لِمَنْ يُكرِهُ أحداً على اعتناق الإيمان، أو يَجُرّه
ويَستدرجُه إلى ذلك بالمواربات غير اللائقة، كما أنها تشدد المطالبة
بحق كل إنسان في أن لا يُحوّل عن إيمانه بالمضايقات الجائرة
(2).
في إحدى
عادات الكنيسة القديمة جداً أن الواجب يقضي بتقصّي أسباب الاهتداء،
والعمل على تَنقيتها إذا اقتضى الأمر.
الموعوظية
وتعليم أوليات الدين المسيحي
14- إنّ الذين
نالوا من الله الإيمان بالمسيح عن طريق الكنيسة (3) يجب قَبولُهم في
الموعوظية باحتفالاتٍ ليتُرجية، والموعوظيةُ ليست مجرّد عَرْضٍ
للعقائدِ والأنظمة، وإنّما هي تنشِئَةٌ في الحياة المسيحية كلها،
وتدرّبٌ مسوقٌ كما ينبغي، يتّحد فيها التلاميذ بالمسيح معلمهم. ومن ثم
فمن شأن الموعوظين أن يُطْلَعوا إطلاعاً كافياً على سرّ الخلاص،
ويُدرَّبوا على الأخلاق الإنجيلية، وأن يُدْخَلوا، بطقوسٍ مقدسة
يُحتفَل بها في أوقات مُتتالية (4)، في حياة الإيمانِ والليترجيا ومحبة
شعبِ الله.
ثمَّ إنهم،
بعد تحررهم من سُلطان الظلمة بواسطة أسرار التنشئة المسيحية (كو1: 13)
(5)، وقد ماتوا مع المسيح، ودفنوا معه، وقاموا معه (روم6: 4- 11، كول2:
12- 13 ، 1بط3: 21- 22، مر16: 16) ينالون الروحَ (1تسا3: 5- 7، أع8:
14- 17) روحَ تبنّي الأبناء، ويحتفلون، مع كل شعبِ الله، بذكرى موت
الرب وقيامته.
وكم يكونُ
محموداً أن تُعالَجَ ليتُرجيّا زمن الصوم والزمن الفصحي بحيث تُعِدّ
نفوسَ الموعوظين لاحتفالاتِ السر الفصحي التي يتجددون بالمعمودية فيها،
ويُولَدُون ولادةً جديدةً في المسيح.
ويجبُ أن
لا ينحصرَ عملُ التعليم المسيحي في طَور المَوعُوظية في الأساتذةِ
والكهنةِ دون سواهم، بل يجبُ أن يكونَ أيضاً عملَ جماعةِ المؤمنين
كلِّها، ولا سيّما العرّابين، بحيثُ يشعرُ الموعوظون منذ البداءة أنّهم
من جُملةِ شعبِ الله. وإذ كانت حياةُ الكنيسة رسولية كان على الموعوظين
أيضاً أن يعملوا بشهادةِ حياتِهم وإعلان إيمانهم، على الإسهام إسهاماً
فعّالاً في التبشير بالإنجيل وبُنيانِ الكنيسة.
ويجبُ
أخيراً إثباتُ نِظامٍ قانوني واضح للموعوظين في مجموعة القانون
الجديدة. فإنهم أصبحوا مُتّحدين بالكنيسة (6)، وأصبحوا من بيتِ المسيح
(7)، وقد تكون حياتُهم قد أصبحت حياةَ إيمانٍ ورجاءٍ ومحبة.
البند
الثالث: تنشئة الجماعة المسيحية
تنشئة
الجماعة المسيحية
15- عندما يدعو
الروح القدس جميع البشر إلى المسيح بِبَذرِ الكلمة والكرازة بالإنجيل،
ويبعثُ في القلوب طواعيّةَ الإيمان، يلدُ في جرنِ مياهِ المعمودية،
لحياةٍ جديدة، أولئك الذين آمنوا بالمسيح، ويَجمعهم في شعبِ اللهِ
الواحد وهو "جيلٌ مختارٌ، كهنوتٌ ملوكيٌ، أمّةٌ مقدسة، وشعبٌ مقتنى"
(1بط2: 9) (8).
فيجب إذاً
على المُرسَلين، معاوني الله (1كو3: 9) أن يُحدّثوا جماعاتٍ من
المؤمنين يسلكون مسلكاً يليق بالدعوة التي نُدِبوا إليها (1أف4: 1)،
ويكونون من الأهلية بحيثُ يقومون بالمهامِ الكهنوتية، والنبوية،
والملكية، التي ألقاها الله إليهم. بهذا تُصبح الجماعة المسيحية علامةً
لحضور الله في العالم: فبذبيحةِ الافخارستيا تنتقل أبداً إلى الآب مع
المسيح (9)، وبتَغذِّيها (10) من كلمة الله تغذّياً جدّياً تؤدي شهادة
المسيح (11)، وهي أخيراً تسلك في المحبة وتضطرمُ بالروحِ الرسولية
(12).
وإنّه لمن
الضروري أن تكون الجماعة المسيحية قادرةً منذُ نشأتِها على سدّ
حاجاتِها
بذاتِها
إذا
أمكنها ذلك.
ومن
الضروري أيضاً أن يكونَ تجمّعُ المؤمنين هذا، وقد أفضت إليه ثروةُ أمته
الثقافية مُتأصلاً في الشعب تأصّلاً عميقاً: فتزدهرُ العيالُ مُشبَعةً
بروحِ الإنجيل (13)، ومُستندةً إلى مدارس ذاتِ أهليةٍ، وتقوم جمعياتٌ
وهيئاتٌ يتمكّنُ من خلالها عمل العلمانيين الرسولي أن يخترقَ صفوف
المجتمع كلّه بالروح الإنجيلي، وتتألّق أخيراً المحبة بين الكاثوليكيين
من شتّى الطوائف الطقسية (14).
ويجب
تغذيةُ الروح المسكونية عند حديثي الإيمان، الذي يَلزمُهم أن يروا
رؤيةً صحيحة في إخوانهم الذين يؤمنون بالمسيح تلامذة للمسيح، وُلِدوا
بالمعمودية ولادةً جديدة، وكان لهم نصيبٌ في خيراتِ شعبِ الله الكثيرة،
وبِقدر ما تُتيحُ الأوضاعُ الدينية يجب القيام بالعمل الرسولي قياماً
تزول معه كلّ لامبالاةٍ، وكلّ بلبلةٍ، وكلّ منافسةٍ خسيسةٍ، فيتعاون
الكاثوليكيون مع إخوانهم المنفصلين، تعاوناً أخوياً يتفق والقرار
المجمعي في الحركة المسكونية، وينطلق ضمن حدود الإمكان، بإعلانٍ عام
للإيمان بالله وبيسوع المسيح في وجهِ الأمم، وبالتشاركِ في الشؤون
الاجتماعية، والتِقنيّة، والثقافية، والدينية. وليكنْ تعاونُهم خصوصاً
من أجل المسيح ربّهم المشترك. فليوحدّهم اسمه وليتجاوزْ هذا التعاون
الأفراد إلى الكنائس أو الجماعات الكَنسية وأعمالِها، إذا وافقَ على
ذلك الأسقف المحلي.
والمسيحيون
المُنضوون إلى الكنيسة من جميع الأمم "لا يختلفون عن سائرِ البشر في ما
هو من أمرِ الحُكم، ولا من أمر اللغةِ، ولا من أمر النظام في الحياة
السياسية (15)"، ولهذا يجب عليهم أن يعيشوا لله وللمسيح وفاقاً للعادات
الحميدة في حياة أمّتهم، وإذ كانوا مواطنين صالحين كان عليهم أن
يُغذّوا في نفوسهم حبّ الوطنِ بطريقةٍ حقيقية وفعالة، وأن يتجنبوا
تجنّباً كاملاً إظهار الازدراء للأعراق الغريبة، وإظهار الإفراط
الجارحِ في الروح الوطنية، وعليهم أن يُنَمّوا فيهم المحبة التي تشمل
جميع البشر.
وللعلمانيين، في بلوغِ هذه الأهداف، أهميةٌ كبيرة، وهم حَقِيقون
باهتمام خاص، أعني أولئك المسيحيين الذي لَبِسوا المسيح بالمعمودية وهم
يعيشون في العالم. فمن شأنِهم الخاص، وقد تشرّبوا روحَ المسيح، أن
يكونوا كالخمير فيبعثوا في داخل الأمور الزمنية حياةً، ويُعالجوها
معالجةً تكون معها أبداً على حسبِ رغبةِ المسيح (16).
ولكن لا
يكفي أن يكونَ الشعبُ المسيحي حاضراً ومُقيماً في أمّةٍ من الأمم، كما
لا يكفي أن يُؤدي الرسالةَ بالمَثل، إنه مقيمٌ وحاضرٌ لكي يبشر مواطنيه
غيرَ المسيحيين بالمسيح قولاً وعملاً ويساعدهم على تقبّل المسيح
تقبّلاً كاملاً.
وإلى ذلك
فمن الضروري، لتأسيس الكنيسة وتنمية الجماعة المسيحية، أن تقومَ خدماتٌ
مختلفةٌ، بدعوةٍ إلهيةٍ، من قلبِ جماعةِ المؤمنين، وأن يعملَ الجميعُ
على تشجيعها وتنشيطها بعنايةٍ شديدةٍ، من تلك الخدمات مهامُ الكهنة،
والشمامسة الإنجيليين، وأساتذة التعليم الديني، والعمل الكاثوليكي.
وكذلك يعمل الرهبان والراهبات على ترسيخِ ملكوتِ المسيح في النفوس
بصلاتهم وتنشيط عملهم، وعلى مُساندتِه وتوسيعِ نطاقه.
إقامة
الإكليروس المحلي
16- بفرح ٍ عظيم
تحمُدُ الكنيسة الله على موهبةِ الدعوة الكهنوتية التي لا تُقدّر
بثمنٍ، والتي مَنَّ بها على عدد كبير من الشبان في الشعوب التي اهتدت
أخيراً إلى المسيح. فالكنيسة تُثَبِتُ أصولَها أعمقَ فأعمقَ في كل
مجموعة بشرية عندما يكون لجماعاتِ المؤمنين المختلفة، ومن جُملةِ
أعضائها، خَدَمَةُ خلاصٍ في سِلك الأساقفةِ، والكهنة، والشمامسة
الإنجيليين، يخدمون إخوانهم، بحيثُ تصبح الكنائس الجديدة شيئاً فشيئاً
ذات قوامٍ هيكلي أبرشيّ بإكليروسِها الخاص.
وما أقرَّه
هذا المجمع في شأن الدعوة، والتنشئة الكهنوتية، يجب الأخذ به في دقّةٍ
مقدسةٍ حيثما تأخذُ الكنيسةُ في النشوءِ، كما يجب الأخذ به في الكنائس
الجديدة. ومن المهم جداً أن يُعمَل بما ذُكِرَ من الجمع الوثيقِ بين
التنشئة الروحية والتنشئة العقائدية والراعوية، ومن إجراء السلوك على
سنن الإنجيل، في غيرِ نظرٍ إلى المنفعة الخاصة أو العيلية، ومن واجب
العمل على استجلاءِ المعنى العميق لسرِّ الكنيسة ونشرِه. وهكذا
يتعلّمون بطريقة عجيبة أن يقفوا نفوسَهم بجُملتها لخدمة جسد المسيح
ولِعمل الإنجيل، وأن يلتحقوا بأسقفهم كمُعاونينَ أمناءَ، ويقدّموا
لإخوانهم خدمهَ المساعدة (17).
ولأجل
بلوغِ هذا الهدفِ العام يجبُ تنظيمُ تنشئةِ الطلاب كلّها على ضوءِ سرِّ
الخلاص كما يتجلّى في الكتاب المقدس. ولْيَكتشِفوا سرَّ المسيح هذا
وسرَّ الخلاص البشري ويعيشوا فيه حاضراً في الليترجيا (18).
إنّ
مقتضيات هذه التنشئة الكهنوتية العامة، حتى الراعوية والعملية منها،
يجب على حدِّ ما سنَّه المجمع (19)، أن تأتلِفَ والغيرةَ في مواجهةِ
طريقة البلاد الخاصة في التفكير والعمل. ويجب من ثَمَّ أن تنفتح عقولُ
الطلاب وأن تُشحَذَ لِتتعرّفَ جيداً ثقافةَ بلادهم، وتتمكّنَ من
تقديرها، وفي ما هو من العلوم الفلسفية واللاهوتية يجبُ عليهم أن
يستَجْلوا العوامل التي تكونُ في أصلِ الخلافِ ما بينَ الديانة
المسيحية والتقاليد والديانة الوطنية (20). ويجبُ كذلك أن تتوجَّهَ
التنشئة الكهنوتية إلى حاجات المنطقة الراعوية: فيتعلّم الطلاب تاريخ
العمل الرسولي في الكنيسة وهدَفه، وطريقتَه، ويقِفوا على الأوضاع
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الخاصة بشعبهم الخاص ويجبُ أن
يُنَشَّؤوا على الروح المسكوني، وأن يُعَدّوا إعداداً صحيحاً للحوار
الأخوي مع غير المسيحيين (21). وهذا كلّه يقتضي أن تَجري الدروسُ
الكهنوتية، ما أمكن ذلك على اتّفاقٍ والعادات وطرائقَ العيش في بلدِ
كلِ إنسانٍ (22). وأخيراً يجب الاهتمام بالتنشئة الإدارية المنظّمة في
المجال الكهنوتي، ومدُّ هذا الاهتمام إلى التنشئة الاقتصادية نفسها.
ويجب إلى
ذلك اختيار كهنةٍ مارسوا العمل الراعوي بعض الممارسة وكان لهم من
الأهلية ما يُمكِّنهم من متابعة الدروس العالية ففي الجامعات، حتى
الأجنبية منها، ولا سيّما في رومة، وفي سائر المؤسسات العلمية، بحيث
يكون للكنائس الجديدة كهنةٌ من الإكليروس المحلي يتحلّون بالعلم
والخبرة الكافيين، فيقومون بالمهام الكنسية الأشد صعوبةً.
وحيثما يرى
مجلسُ الأساقفة الأمر موافقاً، يجب إحباءُ نظام الشمّاسيّة الإنجيلية،
على أنه حالةٌ حياتيةٌ ثابتة، وفاقاً لمراسم الدستور في الكنيسة
(23).
وإنه لَمِن المُفيدِ أن يُعضَد رجالٌ يقومون بالخدمةِ الشمّاسية قياماً
حقيقياً، سواءٌ كان ذلك بالتعليم الديني الذي ينشر الكلمة الإلهية، أو
بإدارةِ الجماعاتِ المسيحية البعيدة باسم كاهن الرعية أو الأسقف، أو
بممارسة المحبة في المشاريع الاجتماعية أو مشاريع البرّ والإحسان،
فيُعضَدون بوضع الأيدي الموروث عن الرسل، ويُجْعَلون أوثق ارتباطاً
بالهيكل، وهكذا يقومون بخدمتِهم قياماً أفضلَ وأفعلَ، بفضلِ نعمةِ سرّ
الشماسية.
تنشئة معلّمي التعليم الديني
17- وكذلك لا
بدَّ من الإشادة بذلك الجيشِ الذي كان له الفضل الأكبر على العمل
الإرسالي فيما بين الأمم، جيش معلّمي التعليم الديني، من رجالٍ ونساءٍ،
الذين أُشرِبوا الروح الرسولي، وأدّوا بأعمالهِم الجليلةِ عَوْناً
فريداً وضرورياً لِنَشْرِ الإيمان والكنيسة.
وفي هذه الأيام، وقد قلًّ عدد الإكليريكيين وناءَ بتبشيرِ هذه الجماهير
الغفيرة والقيامِ بالمهمة الراعوية، كانت مُهمّة المعلّمين الدينيين
ذات أهمية كبيرة جداً. ولهذا وجبَ الاهتمام بتنشِئتهم على أكمل وجه
والتوفيق فيما بينها وبين التقدم الثقافي، بحيثُ يستطيعون، وهم أعوان
السلك الكهنوتي الشديدو الفاعلية، أن يقوموا بعملهم القيامَ الأفضلَ،
وقد أثقلت ذلك العمل مسؤولياتٌ جديدة وأكثرُ اتساعاً.
لذلك يجب تعديد المدارس الأبرشية والإقليمية التي يتلقّى فيها المعلمون
الدينيون دروس العقيدة الكاثوليكية، ولا سيما تلك المتعلقة بالكتاب
المقدس والليترجيا، كما
يتلقّنون طريقة التعليم الديني، والممارسة العملية للعمل الراعوي،
ويتخلّقون بأخلاق المسيحيين (24)، مُكِبّين أبداً على تنمية التقوى
والقداسة في حياتهم. وفضلاً عن ذلك يجب عقد دوراتٍ تدريسية، أو تنظيم
دروس ٍ في مواقيتَ معيّنة، يجدُ فيها معلّمو التعليم الديني تجدداً
ذاتياً في المعارف والفنون المتعلّقة بمهمتهم، وغذاءً ودعماً لحياتهم
الروحية. وإلى جانب هذا لا بدَّ للذين يقفون أنفسَهم وقفاً كاملاً لهذا
العمل من أن ينالوا أجراً عادلاً يكون فيه وضعٌ لائقٌ لحياتهم وضمان
اجتماعي (25).
ويُستحسَن أن يَمُدّ مجمع انتشار الإيمان، بمعوناتٍ خاصةٍ، مشروعَ
تنشئةِ المعلمين الدينيين وإعالتهم بوجهٍ لائقٍ. ولْيُنشأْ مركز
لمساعدة المعلمين الدينيين إذا ظهر ذلك ضرورياً وملائماً.
أضِفْ إلى ذلك أن من واجبِ الكنائسِ أن تنظر بعين الشكر والتقدير إلى
العمل السخي الذي يقوم به المعلمون الدينيون المساعدون الذين ستكون
بحاجةٍ إلى مساعدتِهم. إنّهم يَرْئِسون الصلوات في جماعاتهم وينقلونَ
إليها العقيدة. فلا بدَّ من الاهتمام الدقيق بتنشئتهم العقائدية
والروحية. وكم يكون مُسْتَحسَناً، حيث يبدو ذلك ممكناً، أن تُلقى
الرسالة القانونية في احتفال ليترجي علني إلى المعلمين الدينيين الذين
نُشِئوا تنشِئة كافية، بحيثُ يكون لهم في خدمةِ الإيمان لدى شعبهم
سُلطةٌ أعظم.
تعزيز الحياة الرهبانية
18- ما إن
تُؤسَس الكنيسة في مكانٍ ما حتى يكون من الضروري الاهتمام الشديد
بتعزيز الحياة الرهبانية فيه، لأن فائدتها لا تقتصر على العون الثمين
والكلّي الضرورة الذي تُقدّمه للعمل الإرسالي فقط، ولكنها تعمل أيضاً،
بالالتزامات الأعمق والأوثق التي تقوم بها لله في الكنيسة، على إبراز
طبيعة الدعوة المسيحية العميقة والتعبير عنها تعبيراً واضحاً
(26).
على المؤسسات الرهبانية التي تعمل على غرس الكنيسة، وقد غمرتْها الكنوز
السرية التي ازدان بها تقليد الكنيسة الرهباني، أن تبذلَ ما لديها من
جهد في التعبير عن تلك الكنوز وفي نقلها وفاقاً لذهنية كل شعب ووفاقاً
لطبيعته. وعليها أن تنظرَ بدقة كيف يمكنها أن تستوعب في الحياة
الرهبانية المسيحية تلك التقاليد الزهدية والتأملية التي نَثَر الله
بذورَها أحياناً في الحضارات القديمة قبلَ بشارةِ الإنجيل.
في الكنائس الحديثة يجب التوفّر على بعث الحياة الرهبانية في شتّى
أنواعها، لكي تظهرَ الوجوه المختلفة لرسالة المسيح وحياة الكنيسة،
وتتوفّر على شتّى أنواع العمل الراعوي، وعلى إعداد أعضائها إعداداً
وافيّاً لممارستها. وحرصاً على ذلك يجب أن يسهر الأساقفة في مجلسهم على
ألاّ تتعدد الرهبانيات ذات الهدف الرسولي الواحد فيكون تعددها على حساب
الحياة الرهبانية والعمل الرسولي.
وإنه ليجدر التنويه الخاص بالمبادرات المختلفة التي تهدف إلى تأصيل
الحياة التأملية، وفيها مَن يعملون على إرساء تقليد رهبتنهم الغني
جداً، مع الحفاظ على المقومات الجوهرية للحياة النسكية، وفيها من
يرجعون إلى طرائق الحياة النسكية القديمة الأكثر بساطة: وعلى كل هؤلاء
أن يسعوا مع ذلك في أن يجدوا باب توافقٍ صحيحٍ فيما بينهم وبين الأوضاع
المحلية. وإذ كانت الحياة التأملية منوطةً بحضورٍ كاملٍ للكنيسة، كان
لا بدّ من إقامتها في كل مكان.
ـــــــــــــــ
الفصل الثاني:
1)
بولس 6ً: خطاب في 21 تشرين الثاني 1964
في المجمع: أ.ك.ر. 56 (1964) ص 1013.
2)
م.ف.2: بيان في الحرية الدينية، الأرقام
2،
4،
10. – المرجع نفسه: دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم، الرقم
21.
3)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة،
الرقم
17.
4)
م.ف.2: دستور في الليترجيا المقدسة،
الرقمان
64،
65.
5)
في ما يتعلق بالتحرر من عبودية إبليس
والظلمة في الإنجيل، طالع: متى 12: 28، يو8: 44، 12: 31.. (وطالع 1يو3:
8، أف2: 1- 2). – وفي موضوع ليترجيا المعمودية، طالع كتاب الرتب
الروماني.
6)
م.ف.2. دستور عقائدي في الكنيسة،
الرقم
14.
7)
القديس أوغسطينوس: شرح يوحنا 11: 4:
أ.ك.ل. 35: 1476.
8)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة،
الرقم
9.
9)
المرجع نفسه، الرقام
10،
11،
34.
10)
م.ف.2: دستور عقائدي في الوحي الإلهي،
الرقم
21.
11)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة، الرقمان
12،
35.
12)
المرجع نفسه، الرقمان
23،
26.
13)
المرجع نفسه، الأرقام
11،
35،
41.
14)
م.ف.2: قرار في الكنائس الشرقية، الرقم
20.
15)
الرسالة إلى ديوجنيتس 5: أ.ك.ي.: 2:
1173.
16)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم
32. – المرجع نفسه: قرار في
رسالة العلمانيين.
17)
م.ف.2: قرار التنشئة الكهنوتية، الأرقام
4،
8،
9.
18)
م.ف.2: دستور في الليترجيا المقدسة،
الرقم 17.
19)
م.ف.2: قرار في التنشئة الكهنوتية،
الرقم
1.
20)
يوحنا 23ً: الرسالة العامة "رئيس
الرعاة": أ.ك.ر. 51 (1995) ص 843- 848.
21)
م.ف.2: قرار في الحركة المسكونية، الرقم
4.
22)
يوحنا 23ً: الرسالة العامة "رئيس الرعاة"
أ.ك.ر. 51 (1959) ص 842.
23)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة،
الرقم
29.
24)
يوحنا 23ً: الرسالة العامة "رئيس
الرعاة": أ.ك.ر. 51 (1959) ص 855.
25)
يُقصد بهذا الكلام "الأساتذة المتفرغون
للتعليم الديني".
26)
م.ف.2: دستور عقائدي في الكنيسة، الرقمان
31،
44. |